التخطي إلى المحتوى

هندسة الخداع المالي .. الابتسامة التي أخفت 215 مليون دولار

في مدينة صغيرة بولاية آيوا الأمريكية، كان الجميع يعرف “راسل واسندورف الأب” الرجل الأنيق ذا الابتسامة العريضة التي تشبه ابتسامات مذيعي الأخبار، الذي يمتلك طائرة خاصة، ويتبرع للجامعات، ويدعم المؤسسات الخيرية، ويوفر لموظفيه امتيازات لا تقدمها شركات كثيرة.

 

بدا نجاحه امتدادًا طبيعيًا لرحلة رجل بدأ من قبو منزله، قبل أن يبني شركة مالية تتعامل مع آلاف العملاء، لكن وراء هذه الصورة، كانت هناك حسابات أخرى، وملايين الدولارات تختفي.

 

 

جاذبية السمعة

 

في عام 1967، أسس “واسندورف” نشاطه التجاري في مجال السلع الأساسية بمدينة سيدار فولز، بعد أن جاء إليها للدراسة في جامعة شمال آيوا.

 

ومع مرور السنوات، توسع نشاطه وانتقل إلى شيكاغو، أحد المراكز الرئيسية لتداول العقود الآجلة، لتتحول شركته، “بيريغرين فاينانشال جروب”، إلى شركة وساطة مالية تتعامل مع مستثمرين يضعون أموالهم في أسواق السلع، من الذرة إلى الذهب.

 

وبمرور الوقت، لم يعد “واسندورف” مجرد رجل يدير شركة؛ بل أصبح شخصية بارزة في مجتمعه، أنفق نحو 15 مليون دولار على مقر جديد للشركة في سيدار فولز ، يضم مركزًا لرعاية أطفال الموظفين ومدرسة تتبع منهج مونتيسوري، فضلًا عن تقديم وجبتي الإفطار والغداء مجانًا للعاملين.

 

كما دعم جامعته الأم، وتعهد بتقديم مليوني دولار لبرنامجها الرياضي، كان كل شيء يوحي بأن الرجل نجح في بناء مؤسسة مستقرة، وأن الأموال التي يجنيها تتحول إلى وظائف ومشروعات ومنافع للمجتمع، غير أن هذه السمعة اللامعة كانت تخفي حقيقة قاتمة.

 

 

 

لما الخداع؟

 

بدأ الخداع في أوائل التسعينيات، عندما سحب شريك “واسندورف” حصته من “بيريغرين”، ووجد المؤسس نفسه أمام مشكلة سيولة تهدد استمرار النشاط، ولم تكن لديه الأموال الكافية لتجاوزها.

 

بدلًا من مواجهة الأزمة، لجأ إلى أموال العملاء المودعة في حساب مصرفي مخصص لهم، واستولى على ما لا يقل عن 250 ألف دولار، ثم استخدم آلة تصوير لإعداد كشوف حسابات مزورة تخفي عمليات السحب.

 

وعلى امتداد نحو عشرين عامًا، استمر في الاستيلاء على أموال العملاء، بينما تراكمت خسائر الشركة ووصلت إلى عشرات الملايين من الدولارات، احتفظ “واسندورف” بالسيطرة الحصرية على كشوف الحسابات المصرفية الشهرية، وكان يطلب من الموظفين تسليمها إليه من دون فتحها، ثم يستبدل بها نسخًا مزورة.


خداع الرقابة

 

لم يكتف “واسندورف” بتزوير كشوف الحسابات، بل عمل على التحكم في الطريق الذي تسلكه المعلومات بين البنك والمدققين، فقد غيّر عنوان المراسلات المصرفية إلى صندوق بريد لا يستطيع الوصول إليه سواه، ووضع بيانات هذا الصندوق على المستندات المزورة، ليبدو وكأنه عنوان تابع للبنك.

 

وعندما أرسلت الجهات الرقابية نماذج للتحقق من الأرصدة المصرفية، اعترض المراسلات قبل وصولها إلى وجهتها، ثم أعاد نماذج مزورة تتضمن أرصدة أعلى بكثير من الأموال الموجودة فعلًا.

 

ومع ذلك، لم تكن الإشارات التحذيرية غائبة تمامًا، ففي عام 2004، أرسل أحد العملاء خطابًا إلى الجهتين الرقابيتين مطالبًا بالتدخل لمنع إساءة استخدام أموال العملاء، وبعد خمس سنوات، ورد بلاغ آخر يطالب بالتحقق من صحة البيانات المصرفية للشركة.

 

كانت هناك أسباب تدعو إلى التدقيق، لكن المخطط استمر سنوات أخرى، وفي هذه الأثناء، استخدم “واسندورف” الأموال في تمويل مصالح تجارية خاصة، منها افتتاح مطعمين في سيدار فولز، إلى جانب الإنفاق على نمط حياة مترف، شمل طائرة خاصة وعقارًا ضخمًا يضم مسبحًا داخليًا بلغت تكلفته مليون دولار.

 

 

اعتراف متأخر

 

في يوليو 2012، وبعد محاولة انتحار فاشلة، عُثر في أعقابها على ملاحظات تركها “واسندروف” تتضمن اعترافات بأفعاله غير القانونية، لتبدأ التحقيقات التي شملت عمليات تفتيش ومراجعة آلاف الوثائق الورقية والإلكترونية وإجراء مقابلات متعددة.

 

وفي سبتمبر من العام نفسه، أقر “واسندورف” بذنبه، معترفًا بسرقة أموال العملاء وتقديم بيانات كاذبة إلى الجهات التنظيمية.

 

وأظهرت الكشوف المصرفية المزورة أرصدة تزيد على الأرصدة الحقيقية بأكثر من 200 مليون دولار، فيما تجاوزت الأموال التي سرقها واسندورف 215 مليون دولار، وطالت عملية الاحتيال أكثر من 13 ألف ضحية.

 

وفي 31 يناير 2013، حكمت محكمة فيدرالية أمريكية على واسندورف بالسجن 50 عامًا، وهي العقوبة القصوى المسموح بها للجرائم التي أقر بارتكابها، وشملت التهم الاحتيال عبر البريد، واختلاس أموال العملاء، وتقديم بيانات كاذبة إلى الجهات الرقابية.

 

كما أمرت المحكمة بمصادرة أصول بقيمة 100 مليون دولار، وألزمته بدفع تعويضات قدرها 215.53 مليون دولار للضحايا، مع إخضاعه لإشراف قضائي لمدة ثلاث سنوات بعد انتهاء عقوبة السجن.

 

لكن الأحكام القضائية، مهما بلغت قسوتها، لا تعيد بالضرورة ما فقده الضحايا، ولا تمحو سنوات الثقة التي منحوها لرجل اعتقدوا أنه يحمي أموالهم. كما أن انهيار “بيريغرين” تجاوز حدود الشركة، ليصيب مدينة ارتبطت بها الوظائف والتبرعات والمشروعات، ويكشف مدى امتداد آثار الاحتيال حين تتداخل المصالح التجارية مع الحياة الاجتماعية.


المصادر: وثائق مكتب التحقيقات الفيدرالي – وثائق وزارة العدل الأمريكية – صحيفة “نيويورك تايمز”

للمزيد من المقالات

اضغط هنا

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *