التخطي إلى المحتوى

الرباط – قدمت رئيسة الحكومة المغربية، فاطمة الزهراء المنصوري، برنامج الأغلبية الجديدة أمام البرلمان، متعهدة بتخليق الحياة العامة وتشديد الرقابة على الصفقات العمومية والأسواق، وتحفيز الاستثمار ورفع وتيرة النمو، بالتوازي مع مواصلة إصلاحات أطلقتها الحكومة السابقة، في توجه يطرح تساؤلات بشأن حدود التغيير الموعود، خصوصا في ملفات التشغيل والقدرة الشرائية والعدالة الاجتماعية.

ورسمت المنصوري، خلال أول جلسة مشتركة أمام مجلسي النواب والمستشارين، ملامح برنامج يمتد إلى 2031، يجمع بين استمرارية الأوراش الاستراتيجية وإدخال إجراءات جديدة في مكافحة الفساد وتحسين أداء الاقتصاد، غير أن التعهدات المعلنة، على اتساعها، تضع الحكومة أمام تحدي تحديد الأولويات وتحويل الأهداف العامة إلى نتائج قابلة للقياس والمحاسبة.

وفي مقدمة الالتزامات، أكدت رئيسة الحكومة المغربية أن استعادة ثقة المواطنين في المؤسسات تمر عبر مواجهة الفساد والريع وتضارب المصالح، معلنة استكمال المنظومة الوطنية للنزاهة من خلال تجريم الإثراء غير المشروع، وتفعيل العقوبات المرتبطة بتضارب المصالح، وتعزيز التصريح الإجباري بالممتلكات، والتصدي لتسريب المعلومات بغرض الحصول على امتيازات غير مشروعة.

وامتدت هذه المقاربة إلى تنظيم الأسواق، حيث تعهدت الحكومة بإحداث آلية متخصصة تعمل بتنسيق مع مجلس المنافسة، وتشديد مراقبة الصفقات العمومية والتحقيق في شبهات التواطؤ في طلبات العروض. كما أعلنت تخصيص 30 في المئة من قيمة الصفقات لفائدة المقاولات الصغرى والمتوسطة المغربية، في مسعى لتوسيع مشاركتها في الاقتصاد الوطني والحد من تركيز الفرص الاستثمارية.

وتعكس هذه التدابير توجها لربط الإصلاح الاقتصادي بالنزاهة وتكافؤ الفرص، لكن أثرها سيظل مرتبطا بآليات التنفيذ وفعالية الرقابة، ومدى قدرة المؤسسات على تطبيق القواعد بصورة منتظمة. كما أن توسيع حصة المقاولات الصغيرة والمتوسطة من الصفقات يطرح تحديات تتعلق بقدرتها على الاستجابة للشروط التقنية والمالية، وضمان وصولها الفعلي إلى الفرص المتاحة.

وتراهن المنصوري حسب المعلن في أول جلسة لها أمام غرفتي البرلمان، على نمو سنوي يبلغ 5 في المئة خلال الفترة 2027-2031، وتضخم في حدود 2 في المئة، مع حصر عجز الميزانية في 3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، ووضع المديونية العمومية في مسار تنازلي نحو 62 في المئة بحلول 2031. ولبلوغ هذه الأهداف، تعهدت بتوسيع الوعاء الضريبي وتحسين نجاعة الإنفاق العام، وتعزيز مساهمة المؤسسات والمقاولات العمومية في تمويل الاقتصاد.

وتستهدف الحكومة رفع مساهمة القطاع الخاص إلى ثلثي الاستثمار الوطني، عبر مواصلة تفعيل ميثاق الاستثمار، وتسريع المشاريع المتعاقد بشأنها، وإصلاح المراكز الجهوية للاستثمار، وتيسير التمويل والضمان للمقاولات. كما تراهن على تنويع الإنتاج والصناعة والاقتصاد الرقمي، وتعزيز التحول الطاقي والسيادة الرقمية والعلمية، وتقليص الاعتماد على الواردات، خصوصا المنتجات تامة الصنع.

وفي القطاع السياحي، أعلنت رئيسة الحكومة إطلاق خارطة للفترة 2027-2030 تستهدف استقبال 26 مليون سائح بحلول نهاية العقد، بالتوازي مع تطوير الاقتصاد الاجتماعي والتضامني واقتصاد الرياضة. وتندرج هذه الأهداف ضمن رهان أوسع على توسيع مصادر النمو وخلق قيمة مضافة وفرص عمل، غير أن تحقيقها يتطلب ربط الاستثمارات الجديدة باحتياجات سوق العمل والقدرة على إدماج الشباب.

ويبرز التشغيل بوصفه أحد الملفات التي ستختبر مدى ترجمة البرنامج إلى تغيير ملموس، فالمعطيات المقدمة لم تتضمن تعهدا صريحا بإحداث مليون منصب شغل صاف خلال الولاية الحكومية، وهو وعد رفعه حزب الأصالة والمعاصرة خلال حملته الانتخابية. كما لم تتضح بصورة كافية التفاصيل الرقمية والآجال والكلفة المرتبطة ببعض الأهداف، ومنها إعادة أسعار المواد الأساسية إلى مستوياتها الطبيعية وتخفيض الضريبة على الأجور.

وتعهدت المنصوري بمواصلة إصلاح الصحة والتعليم وتثبيت مكتسبات الحماية الاجتماعية، إلى جانب الاستثمار في السكن والماء والطاقة والبنيات الأساسية. وفي التعليم، أعلنت استهداف “صفر انقطاع عن الدراسة” بحلول 2030، ورفع نسبة التلاميذ المتحكمين في التعلم والكفايات الأساسية إلى 80 في المئة على الأقل بحلول 2031، من خلال توسيع نموذج مؤسسات الريادة واعتماد الرصد المبكر للتلاميذ المهددين بمغادرة الدراسة.

أما في ملف السكن، فتستهدف الحكومة الانتقال إلى مقاربة تراعي كلفة السكن وجودته وصلته بفرص العمل والنقل والخدمات، مع برنامج لتأهيل أو بناء 100 ألف مسكن قروي خلال الولاية، وتقديم دعم مباشر بقيمة 40 ألف درهم للأسر المؤهلة، إلى جانب المواكبة التقنية وتبسيط إجراءات البناء في الوسط القروي.

وعلى المستوى الوطني، أكدت المنصوري استمرار الدفاع عن سيادة المغرب على الصحراء، وحشد الدعم لمبادرة الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية، استنادا إلى قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر/تشرين الأول 2025. كما جددت التمسك بموقف المملكة من القضية الفلسطينية والقدس، والتسوية السلمية القائمة على حل الدولتين.

وتستند المنصوري إلى النموذج التنموي الجديد وطموح مغرب 2035، مع مواصلة المشاريع والإصلاحات الكبرى وتصحيح التعثرات التي أعاقت تحويل الاستثمار إلى فرص عمل وتحسين الخدمات. وبذلك، لا يتحدد التغيير في استمرار الأوراش أو تعديلها وحده، بل في قدرة الحكومة على تحسين نتائجها وتوزيع ثمار النمو بصورة أوسع.

وتبقى مكافحة الفساد والريع، إلى جانب التشغيل والقدرة الشرائية، الملفات الأكثر ارتباطا بتقييم البرنامج لدى المواطنين، فنجاح الحكومة لن يقاس بعدد التعهدات المعلنة فقط، وإنما بوضوح آجال تنفيذها ومؤشرات قياسها، ومدى انعكاسها على فرص العمل والدخل وجودة الخدمات، وهي معايير ستحدد الفارق بين استمرارية السياسات السابقة وتجديد أساليب تنفيذها.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *