واشنطن ـ توصل باحثون إلى آلية بيولوجية قد تساعد الدماغ على مقاومة التغيرات المرتبطة بالتقدم في العمر والحفاظ على الذاكرة، من خلال تعزيز نشاط جين ينتج إنزيما يشارك في تنظيم الدهون والتواصل بين الخلايا.
وأظهرت الدراسة، المنشورة في مجلة ‘نيتشر نيوروساينس’، أن زيادة نشاط الجين المعروف باسم ‘بلا 2 جي 2 إف’ ساعدت على حماية الاتصالات بين الخلايا العصبية، والحد من الالتهابات والتغيرات المرضية المرتبطة بشيخوخة الدماغ، والحفاظ على أداء الذاكرة لدى الفئران.
وتشير النتائج إلى أن هذا الجين قد يؤدي دورا في ما يعرف بـ’المرونة المعرفية’، أي قدرة بعض الأشخاص على الاحتفاظ بقدراتهم الذهنية رغم وجود تغيرات مرضية في الدماغ. ومع ذلك، لا تزال النتائج في مرحلة البحث الأساسي، ولا تعني أن علاجًا جديدا للوقاية من مرض ألزهايمر أصبح متاحًا للاستخدام البشري.
ويرتبط التقدم في العمر بمجموعة من التغيرات التي تصيب الدماغ، من بينها تراجع عدد الاتصالات بين الخلايا العصبية، واضطراب تنظيم الدهون، وزيادة نشاط بعض الخلايا المناعية داخل الجهاز العصبي.
وقد تتفاعل هذه التغيرات لتؤثر في قدرة الدماغ على معالجة المعلومات وتكوين الذكريات واسترجاعها.
وتؤدي المشابك العصبية، وهي نقاط الاتصال التي تنتقل عبرها الإشارات بين الخلايا العصبية، دورا أساسيًا في التعلم والذاكرة. ويكتسب الحفاظ عليها أهمية خاصة في الحُصين، وهي منطقة في الدماغ تشارك في تكوين الذكريات والتعلم المكاني.
وركز الباحثون على التلف الذي يصيب الاتصالات العصبية في منطقة محددة من الحُصين تسمى ‘التلفيف المسنن’، وهي جزء يساهم في تكوين الذكريات وتمييز السياقات والتجارب المتشابهة. وسعوا إلى تحديد العوامل التي ينشطها الدماغ استجابة لفقدان هذه الاتصالات، لمعرفة ما إذا كانت بعض الآليات الطبيعية تستطيع الحد من آثار الشيخوخة.
حدد الفريق البحثي جين ‘بلا 2 جي 2 إف’ الذي يحمل التعليمات اللازمة لإنتاج إنزيم من عائلة ‘الفوسفوليباز أ2’، وهي إنزيمات تساهم في تفكيك أنواع من الدهون الفوسفورية الموجودة في الأغشية الخلوية، وتنتج عنها جزيئات تشارك في تنظيم الإشارات بين الخلايا.
وأظهرت التجارب أن نشاط هذا الجين يرتفع في بعض الخلايا العصبية داخل التلفيف المسنن مع التقدم في العمر، كما يزداد استجابة لفقدان المشابك العصبية.
ورصد الباحثون كذلك ارتباطا بين ارتفاع التعبير عن الجين والاحتفاظ بقدرات معرفية أفضل لدى بعض كبار السن الذين ظهرت في أدمغتهم تغيرات مرضية مرتبطة بألزهايمر.
ولا يعني هذا الارتباط أن ارتفاع نشاط الجين يمنع المرض لدى البشر، لكنه يقدم دليلا على احتمال وجود استجابة تعويضية يحاول الدماغ من خلالها مقاومة الضرر والحفاظ على وظائفه.
لاختبار وظيفة الجين، استخدم الباحثون تقنيات وراثية ووسائل لنقل المادة الجينية إلى مناطق محددة من الدماغ، بهدف خفض نشاطه أو زيادته لدى الفئران.
وأظهرت النتائج أن تعطيل الجين في الخلايا العصبية المستهدفة أدى إلى تفاقم مجموعة من التغيرات المرتبطة بالشيخوخة، شملت فقدان المشابك العصبية، وزيادة مؤشرات الالتهاب، واضطراب تنظيم الدهون، وتراكم القطرات الدهنية داخل الخلايا، فضلًا عن ضعف الأداء في اختبارات الذاكرة التي تعتمد على الحُصين.
في المقابل، ارتبط تعزيز نشاط الجين لدى الفئران المسنة بالحفاظ على كثافة المشابك العصبية، وتراجع مؤشرات الالتهاب في الخلايا الدبقية، وتحسن تنظيم الدهون، والاحتفاظ بأداء أفضل في اختبارات الذاكرة.
والخلايا الدبقية هي خلايا غير عصبية تؤدي وظائف داعمة ومناعية داخل الدماغ.
وتشمل الخلايا الدبقية الصغيرة، التي تشارك في الاستجابة المناعية وإزالة المخلفات الخلوية، والخلايا النجمية التي تسهم في دعم الخلايا العصبية وتنظيم البيئة المحيطة بها. لكن استمرار تنشيط بعض الاستجابات الالتهابية قد يرتبط باضطراب وظائف هذه الخلايا وتفاقم الضرر العصبي.
وتشير نتائج الدراسة إلى أن الإنزيم الناتج عن الجين لا يقتصر تأثيره على الخلايا العصبية التي تنتجه، بل قد يساهم في تنظيم التفاعلات بينها وبين الخلايا الدبقية، بما يساعد على الحد من تراكم الدهون داخل هذه الخلايا ودعم التوازن الطبيعي للأنسجة الدماغية.
ووجد الباحثون أن نشاط الجين ‘بلا 2 جي 2 إف’ يرتبط بتنظيم حركة الدهون والتخلص من تراكماتها داخل الخلايا الدبقية الصغيرة، كما أظهرت تجارب مخبرية باستخدام خلايا عصبية وخلايا دبقية صغيرة مشتقة من خلايا جذعية بشرية أن الإنزيم قد يساعد على تقليل تراكم الدهون داخل الخلايا الدبقية وتنظيم انتقال بعض مكونات الدهون بينها وبين الخلايا العصبية.
وتعزز هذه النتائج فرضية أن الحفاظ على التوازن الدهني داخل الدماغ قد يمثل أحد المسارات التي تساعد على مقاومة التغيرات المرتبطة بالشيخوخة، لكن الباحثين أشاروا إلى أن تحديد مساهمة كل نوع من الخلايا في هذه التغيرات يتطلب دراسات إضافية أكثر تفصيلًا
تفتح الدراسة مجالا للبحث في إمكانية تطوير علاجات تستهدف الآليات الطبيعية التي يستخدمها الدماغ لمقاومة التدهور المعرفي. وقد يكون تعزيز نشاط الجين أو محاكاة تأثير الإنزيم الذي ينتجه أحد المسارات المستقبلية للحفاظ على الاتصالات العصبية والحد من التغيرات الالتهابية واضطراب الدهون.

التعليقات