التخطي إلى المحتوى

بغداد – في الذكرى الحادية والعشرين للاستفتاء على الدستور، دعا رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان مجلس النواب إلى مراجعة أحكام الدستور وإجراء التعديلات اللازمة، مشيراً إلى إشكالات في التطبيق والتفسير عطّلت استحقاقات دستورية، أبرزها ما يتعلق بالأغلبيات البرلمانية وانتخاب رئيس الجمهورية وتحديد الكتلة النيابية الأكثر عدداً.
مراجعة الدستور امر مشروع، فهو ليس نصاً مقدساً ولا وثيقة صالحة لكل زمان. غير أن الجدل الحقيقي لا يدور حول المواد التي يُراد تغييرها، بل حول الجهة التي تقرر والطريقة التي يجري بها التغيير. وهذه المقالة لا تناقش مبدأ المراجعة، وإنما الإطار الذي يجب أن يحكم أي تعديل في دولة اتحادية يحدد دستورها العلاقة بين بغداد وإقليم كردستان.
فحتى لو كانت التعديلات المعنية هذه المرة تشمل قضايا فنية من قبيل مفهوم الكتلة الاكبر وما شابه , فان مبدا منح البرلمان صلاحية البت في التعديلات الدستورية سيمنحها صلاحية البت في تعديل القضايا الحساسة ايضا , كتلك المتعلقة بصلاحيات الاقليم والعلاقة بينه وبين بغداد .

الأغلبية تحكم ولا تؤسس

المعروف ان الانتخابات تمنح الفائز حق تشكيل الحكومة والتشريع ضمن الحدود الدستورية، الا انها لا تمنحه تفويضاً مفتوحاً لتغيير تلك الحدود. فلو كانت الأغلبية العددية تقرر كل شيء، لانتفت الحاجة إلى دستور مكتوب وفصل للسلطات وضمانات تحمي الحقوق من تقلب التحالفات. الدستور وُضع لتنظيم إرادة الأكثرية وكبحها، لا لتنفيذها وترسيخها اكثر.
وفي الفقه الدستوري تمييز بين السلطة التأسيسية التي تضع الدستور والسلطات المنشأة التي يخلقها، ومنها البرلمان. والسلطة المنشأة لا تملك بالضرورة تفويضاً لتغيير الأسس التي قامت عليها شرعيتها. ولهذا شدّدت دساتير كثيرة، ومنها الدستور العراقي، إجراءات تعديل المبادئ الأساسية.
دستور 2005: ضمانات على الورق 

لم يترك دستور 2005 التعديل لأغلبية بسيطة. فالمادة 126 تشترط اقتراحاً من رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء معاً أو من خُمس أعضاء مجلس النواب، وموافقة ثلثي الأعضاء، واستفتاءً شعبياً، وتصديقاً رئاسياً. وتحمي مبادئ الباب الأول وحقوق الباب الثاني بشروط أشد، وتمنع المساس بصلاحيات الأقاليم غير الحصرية للسلطات الاتحادية إلا بموافقة السلطة التشريعية في الإقليم المعني وأغلبية مواطنيه في استفتاء عام.
لكن التجربة العراقية تُظهر أن النصوص لا تكفي. فالدستور نفسه وُلد من فكرة التوافق، إذ رفضته محافظتا الأنبار وصلاح الدين بأغلبية الثلثين ولم يبلغ الرفض هذه النسبة في نينوى فمرّ الاستفتاء، وجاء الحل بوعد مراجعة تشاركية عبر لجنة نصّت عليها المادة 142. ثم إن التغيير لا يحتاج دائماً إلى تعديل رسمي، فقد يحدث عبر التفسير القضائي، أو عبر تشريع عادي يضيّق صلاحيات ثابتة دستورياً، أو عبر إعادة صياغة مواد بحجة التوضيح. لذلك تُقاس الضمانات بأثرها لا بشكل المسار.
البرلمان طرف في الخلاف لا حكم فوقه

البرلمان مؤسسة أساسية ولا بد أن يمر التعديل عبره، لكنه ساحة تنافس بين قوى لها رؤى متباينة لحدود سلطة المركز واستقلال الأقاليم. وحين تقترح أغلبية تعديل المواد المنظمة لصلاحيات الإقليم لأنها ترى فيها سبب الخلافات، تصبح طرفاً في النزاع وجهة تحدد طريقة حسمه في آن واحد. 
ويزيد الأمر سوءاً في العراق غياب مجلس الاتحاد الذي نصّت عليه المادة 65، وهو الغرفة المفترض أن تمثل الأقاليم والمحافظات وتوازن مجلس النواب، ولم يُشكَّل حتى اليوم. في ألمانيا يقوم بهذا الدور البوندسرات، وفي الولايات المتحدة مجلس الشيوخ، وفي سويسرا مجلس الولايات. أما العراق فيترك بنية الاتحاد لغرفة واحدة تعكس الثقل الانتخابي، والكتل الكردستانية، حتى لو توحدت، أقل بكثير من الثلث المعطِّل فيها. ومعنى ذلك أن مصير الضمانات الاتحادية يتوقف على مزاج تحالفات لا يملك الإقليم التأثير الحاسم فيها.
توقيت يثير الريبة

لا يمكن قراءة دعوة زيدان بمعزل عن السياق السياسي الذي جاءت فيه. فقد أعلن رئيس المجلس الأعلى الإسلامي همام حمودي في آب الماضي أن الإطار التنسيقي يتجه إلى العمل بصيغة “مجلس قيادة الدولة” عبر لجان متخصصة تتابع عمل الحكومة وسياساتها. وأثارت التسمية جدلاً واسعاً لأنها تستحضر “مجلس قيادة الثورة” في النظام السابق، ولأن الدستور لا يتضمن مؤسسة بهذا الاسم، ولأن ما يُنشر يشير إلى مركز قرار يعلو على الحكومة والمؤسسات. وتحدث خبراء عن أن الخيارات المتاحة لإضفاء الصفة الرسمية على مجلس كهذا تشمل تشريع قانون، أو اتفاقاً سياسياً ملزماً، أو تعديلاً دستورياً. ومن الطبيعي أن يُنظر إلى فتح باب التعديل في هذه المرحلة بوصفه جزءاً من التمهيد لتحصين هذا الترتيب بغطاء دستوري، وإن كانت الأدلة على ذلك غير معلنة.
ويلفت النظر أيضاً سرعة الاستجابة. فبعد البيان مباشرة، أعلن نواب وشخصيات سياسية ترحيبهم بالدعوة، ودعوا إلى حوار وطني حول الإشكالات المرتبطة بتشكيل السلطات والعلاقة بين المركز والإقليم. وهذا الترحيب السريع بفكرة ظلت سنوات موضع خلاف عميق يوحي بأن الأمر جرى ترتيبه مسبقاً، أو أن أطرافاً كانت تنتظر الإشارة لتبدأ. ويزيد من ذلك أن الملفات التي عدّها زيدان معطِّلة، وفي مقدمتها انتخاب رئيس الجمهورية وتحديد الكتلة الأكثر عدداً، هي ذاتها التي تمس موقع كردستان وتوازنات المكونات، فيما لم يرد ذكر للمواد المعطلة التي تضمن حقوق الإقليم.
نفّذوا الدستور أولاً 

جزء كبير من أزمة العراق ينبع من عدم تنفيذ النصوص لا من الحاجة الى تفسيرها. فالمادة 140 الخاصة بالمناطق المتنازع عليها، والمادة 65 الخاصة بمجلس الاتحاد، والنصوص المنظمة للنفط والغاز والعلاقة المالية بين المركز والإقليم، وقانون المحكمة الاتحادية العليا الذي تشترط المادة 92 صدوره بأغلبية الثلثين، كلها معطلة أو غير مستكملة , مع انها واضحة لا تحتاج الى تاويل … وإذا كان الخلل في التطبيق فإن التعديل لن يعالجه، بل قد يمنح الشرعية لواقع نشأ من التعطيل، ويُنسب الفشل إلى صلاحيات الإقليم بدلاً من غياب الإرادة السياسية. وهكذا يُعاقَب من التزم النص ويُكافأ من عطّله.
القضاء بين الاقتراح والتفسير

القضاء، وفي مقدمته المحكمة الاتحادية العليا، هو الذي سيفسر النصوص المعدّلة ويفصل في النزاعات الناشئة عنها. وكلما اقترب من مرحلة الصياغة، ضاقت المسافة التي يحتاجها ليحتفظ بصورة الحكم المحايد بين المركز والإقليم. لا شك في أن للمؤسسة القضائية رأياً مشروعاً بحكم خبرتها بثغرات التطبيق، لكن دورها في المراجعة ينبغي أن يبقى استشارياً وفنياً، وتتولى الصياغة هيئة تعكس تعدد المكونات.

تجارب الدول الاخرى 
الدول الاتحادية لا تعدّل دساتيرها بالأغلبية البسيطة. ففي سويسرا لا يمر التعديل إلا بأغلبية الناخبين وأغلبية الكانتونات معاً، وفي الولايات المتحدة يحتاج إلى ثلثي الكونغرس وثلاثة أرباع الولايات، وتحصّن ألمانيا بنية الاتحاد من أي تعديل وتشترط ثلثي الغرفتين ومنهما ممثلة الولايات، وتشترط بلجيكا أغلبية داخل كل مجموعة لغوية، وتشترط كندا موافقة المقاطعات في المسائل الجوهرية، وتمنع المحكمة العليا في الهند البرلمان من المساس بالبنية الأساسية للدستور ومنها الطابع الاتحادي. والمبدأ المشترك أن الاتحاد عقد بين كيانات، ولا يُعدَّل العقد بإرادة أحد أطرافه.
الإجراء الصحيح لا يكفي

تعديل الدستور يختلف عن تعديل قانون عادي لأنه يرسم الإطار الذي تتحرك فيه القوانين والمؤسسات. وقد يمر تعديل بمسار قانوني سليم ويغيّر مع ذلك مضمون الاتحاد لمصلحة الطرف الأقوى، فشرعية الإجراء لا تعني عدالة المضمون. ومن جهة اخرى , اذا ثبت أن الأغلبية تستطيع تغيير التوازن الاتحادي بقوتها العددية، فلن يمنع شيء أغلبية لاحقة من فعل العكس، ولن تبقى لأي ضمانة قيمة. ولا يعني هذا حق نقض مطلقاً لكل طرف، بل ضمانات تتناسب مع خطورة ما يُعدَّل.
وللتوقيت وزنه كذلك. فالدعوة للتعديل ياتي في ظل أزمات سياسية وفي مناخ يفتقر إلى التوافق، والثقة بين بغداد وأربيل متآكلة بعد أزمات الموازنة والنفط والرواتب. وقد استمد دستور 2005 جزءاً كبيراً من شرعيته بالنسبة للكرد بوصفه ضمانة للشراكة بعد عقود من المركزية والقمع، فالمساس بهذه الضمانات مساس بالأساس الذي قبلت عليه كردستان البقاء في الدولة الجديدة، وليس تعديلاً فنياً.
الضمانات المطلوبة

1. هيئة صياغة مستقلة وتوافقية تمثل المكونات تمثيلاً متكافئاً لا عددياً فقط، على غرار لجنة المادة 142، وتضم خبراء قانونيين مستقلين.
2. أغلبية في البرلمان الاتحادي وموافقة مستقلة من مؤسسات الإقليم وفق المادة 126، دون التفاف عليها بالصياغة.
3. تشكيل مجلس الاتحاد قبل أي تعديل يمس الاختصاصات الاتحادية.
4. تنفيذ المواد المعطلة أو جدول زمني ملزم لتنفيذها، حتى لا يكون التعديل مكافأة للتعطيل.
5. نشر المقترحات ومبرراتها ومنح مدة كافية للتداول.
6. فصل التوقيت عن تشكيل الحكومات والاستحقاقات الانتخابية.
7. تحصين الطابع الاتحادي وحقوق الأقاليم من أي تعديل ينتقص من الحقوق القائمة.
الدستور اتفاق على حدود ما يجوز لمن يمسك بالسلطة أن يفعله، وحين تُترك هذه الحدود لإرادة من يحكم في لحظة معينة، تفقد وظيفتها. المطلوب ليس رفض المراجعة، بل التمسك بقاعدة بسيطة تفيد ان ما اتُّفق عليه بين شركاء لا يُعدَّل بإرادة أحدهم. وكل تعديل لا يمر عبر توافق حقيقي يحمل في داخله بذور أزمة أعمق من تلك التي أراد معالجتها.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *