الرباط – يعكس احتفاظ عدد من الوزراء بمناصبهم في التشكيلة الحكومية المغربية الجديدة، التي أعلن عنها الجمعة، توجها نحو الجمع بين تجديد الطاقم الحكومي والحفاظ على الاستمرارية في إدارة الملفات الاستراتيجية، وفي مقدمتها الأمن الداخلي والدبلوماسية والعدالة وتطوير البنية التحتية.
وتبرز أهمية هذا الخيار خصوصا في استمرار عبدالوافي لفتيت على رأس وزارة الداخلية وناصر بوريطة في وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، وعبداللطيف وهبي في وزارة العدل، إلى جانب تجديد الثقة في عبدالصمد قيوح لتولي النقل واللوجستيك.
ولا تبدو إعادة إسناد هذه الحقائب مجرد إجراء إداري مرتبط باستمرار المسؤولين في مناصبهم، بل تعكس رهانا على تراكم الخبرة المؤسسية ومواصلة تنفيذ سياسات ومشاريع تتطلب تنسيقا طويل الأمد، في ظل تحولات إقليمية ودولية متسارعة، واستحقاقات تنموية كبرى تستعد المملكة لخوضها خلال السنوات المقبلة.
الأمن الداخلي ومكافحة الإرهاب
يمثل استمرار لفتيت في وزارة الداخلية مؤشرا على أهمية الاستقرار الأمني في حسابات الحكومة الجديدة، بالنظر إلى طبيعة الملفات التي تتولاها الوزارة، من حفظ الأمن العام ومواجهة التهديدات الإرهابية إلى مكافحة الجريمة المنظمة وشبكات الاتجار غير المشروع وتعزيز التنسيق بين الأجهزة المختصة.
ويواجه المغرب بيئة إقليمية تتسم بتداخل التحديات الأمنية، خصوصا في منطقة الساحل والصحراء، حيث تنشط جماعات متطرفة وشبكات تهريب عابرة للحدود، فيما تفرض التحولات في أنماط الجريمة وتطور وسائل الاتصال والتمويل غير المشروع تطوير أدوات الرصد والتعاون الأمني باستمرار.
وتكتسب الاستمرارية في وزارة الداخلية أهمية تتجاوز التدبير اليومي، لتشمل الحفاظ على الخبرة المتراكمة وشبكات التنسيق المؤسسي، وتعزيز قدرة المملكة على الاستباق والتعامل مع المخاطر كما يرتبط الأمن الداخلي بحماية الاستقرار الذي يشكل شرطا أساسيا لجذب الاستثمارات واستمرار المشاريع الاقتصادية الكبرى.
وتعزز الشراكات الأمنية التي بناها المغرب مع عدد من الدول موقعه بوصفه شريكا موثوقا في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود ويمنح استمرار المسؤول عن هذا القطاع فرصة لمواصلة التنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين، في ملفات تتطلب تبادل المعلومات وتطوير آليات العمل المشترك.
الدبلوماسية والصحراء المغربية
أما استمرار بوريطة على رأس الدبلوماسية المغربية، فيكتسب دلالته من مركزية ملف الصحراء في السياسة الخارجية للمملكة، ومن التحولات التي شهدها النزاع خلال السنوات الأخيرة، مع اتساع دائرة الدول التي تدعم مغربية الصحراء أو تؤيد مبادرة الحكم الذاتي التي تقترحها الرباط أساسا للتسوية.
وقد عمل المغرب على توسيع حضوره الدبلوماسي في إفريقيا وأوروبا والأميركيتين، وتطوير شراكات اقتصادية وسياسية عززت موقعه الإقليمي والدولي وفي موازاة ذلك، واصلت الرباط الدفع نحو ترسيخ مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتباره، وفق موقفها، حلا واقعيا قابلا للتطبيق، مع تكثيف التحركات الرامية إلى تقليص الدعم السياسي الذي يحظى به جبهة بوليساريو.
ويشير تجديد الثقة في بوريطة إلى رغبة في مواصلة هذا المسار الدبلوماسي، واستثمار التحولات في مواقف عدد من العواصم، وتعزيز الربط بين الموقف السياسي والشراكات الاقتصادية والاستراتيجية، فملف الصحراء لا ينفصل عن علاقات المغرب الدولية، ولا عن سعيه إلى توسيع نفوذه في القارة الإفريقية وترسيخ مكانته بوصفه فاعلا إقليميا وشريكا في قضايا الأمن والتنمية والهجرة والطاقة.
كما يمنح استمرار القيادة الدبلوماسية الحالية المملكة فرصة للحفاظ على اتساق خطابها الخارجي، ومواصلة العمل على تحويل الدعم السياسي لمبادرة الحكم الذاتي إلى مواقف أكثر وضوحا في المحافل الدولية.
النقل واللوجستيك ومشاريع التحول الاقتصادي
ويحمل استمرار قيوح في وزارة النقل واللوجستيك دلالة مختلفة، ترتبط بمرحلة تشهد فيها المملكة توسعا في مشاريع البنية التحتية وتحديث شبكات النقل والربط بين المدن والموانئ والمناطق الصناعية. ويأتي ذلك في ظل الاستعداد لاستضافة كأس العالم لكرة القدم سنة2030 بشراكة مع إسبانيا والبرتغال، وهو استحقاق يرفع سقف المتطلبات المرتبطة بالنقل والتنقل والخدمات اللوجستية.
ولا تقتصر هذه المشاريع على الاستجابة لحاجات تنظيم حدث رياضي عالمي، بل تتصل برؤية أوسع لتعزيز تنافسية الاقتصاد المغربي، وتحسين تدفق السلع والأفراد، ورفع قدرة الموانئ والمطارات والطرق والسكك الحديدية على خدمة الاستثمار والتجارة.
كما يمكن لتطوير هذه الشبكات أن يدعم مبادرة المغرب الرامية إلى تعزيز ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي، وتوسيع الروابط التجارية والاقتصادية بين ضفتي الأطلسي والعمق الإفريقي.
ويعني ذلك أن وزارة النقل واللوجستيك ستكون أمام مسؤولية مواصلة مشاريع تتجاوز آثارها الحدود الوطنية، بما يشمل تعزيز موقع المغرب بوصفه منصة للربط بين إفريقيا وأوروبا، وتطوير سلاسل الإمداد وتيسير حركة التجارة ومن هنا، تبدو الاستمرارية في هذا القطاع خيارا يرتبط بالحاجة إلى تنسيق متواصل بين المشاريع الجارية وتلك التي لا تزال قيد الإنجاز أو التخطيط.
استمرارية في الملفات وتحديات التنفيذ
ولا يقتصر الاحتفاظ بالوزراء على هذه القطاعات؛ إذ شملت التشكيلة الجديدة أيضا أحمد التوفيق في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ورياض مزور في الصناعة والتجارة، ومحمد المهدي بنسعيد في الشباب والثقافة مع إضافة قطاع الرياضة، وعز الدين المداوي في التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، فضلا عن عمر حجيرة في التجارة الخارجية.
ويعكس هذا الامتداد رغبة في الحفاظ على الاستقرار الإداري في قطاعات ترتبط بالإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية وبناء الكفاءات وتعزيز المبادلات التجارية، لكن الاستمرارية، مهما كانت أهميتها، لا تمثل في حد ذاتها ضمانا للنجاح؛ إذ ستظل نتائجها مرتبطة بقدرة الحكومة على تسريع تنفيذ المشاريع، ورفع جودة الخدمات، وتحويل الخطط الاستراتيجية إلى مكاسب ملموسة للمواطنين.
وتبدو التشكيلة الجديدة محاولة لتحقيق توازن بين تجديد القيادة الحكومية والحفاظ على الخبرة في الملفات الحساسة ويظل التحدي الأساسي أمام الوزراء المستمرين في مناصبهم هو ترجمة هذه الثقة إلى نتائج قابلة للقياس، سواء في تحصين الأمن، أو تعزيز المكاسب الدبلوماسية، أو استكمال البنية التحتية التي تراهن عليها المملكة لترسيخ حضورها إقليميا ودوليا.

التعليقات