“من أراد أن ينظر إلى الفردوس فلينظر إلى أرض مصر حين تخضر زروعها، ويزهر ربيعها، وتُكسى بالنوار أشجارها وتغنّي أطيارها”، هكذا وصف عبدالله بن عمرو أرض الكنانة، كما ورد في كتاب “فضائل مصر المحروسة” لابن الكندي، الوصف الذي اجتمعت عليه كتابات المؤرخين والجغرافيين المسلمين، ولم تقتصر على وصف طبيعتها، لكن أيضًا شملت وصف خيراتها وعمرانها، ورواية ما ارتبط بها من أخبار الأنبياء والصحابة، إلى جانب ما ورد في القرآن الكريم والأحاديث النبوية عن فضلها.
ومع كثرة الروايات والأخبار التي تناولت مصر وفضائلها، ظهرت مؤلفات تراثية مستقلة خُصصت للحديث عنها، وهي المصادر التي اعتمد عليها أحمد رجب شلتوت في كتابه “أرض الأنبياء والعجائب.. مصر في كتب الفضائل”، الصادر حديثًا عن “بيت أزهى للنشر والطباعة”.
واكتفى المؤلف باختيار أربعة كتب تمثل مراحل مختلفة من هذا التراث، حتى لا يتحول كتابه إلى مجرد قائمة بالمؤلفات التي تناولت مصر؛ جاء في مقدمتها “فتوح مصر وأخبارها” لابن عبد الحكم، الذي ينتمي إلى أسرة مصرية عريقة ارتبطت بالعلم والفقه والقضاء، واشتهر بعنايته بتاريخ مصر والمغرب وفتوحهما، وكتابه هذا يُعد من أقدم المصادر الباقية التي أفردت مصر بعمل تاريخي مستقل، ويمثل مرحلة كانت فيها أخبار فضائل مصر جزءًا من الكتابة التاريخية العامة عن البلاد، قبل أن تستقل في كتب تحمل اسم “الفضائل”، وتجمع النصوص المختارة من هذا الكتاب بين وصف خيرات البلاد وعمرانها، ومكانتها الدينية والتاريخية؛ إذ تصف خصوبة أرضها ووفرة ثمارها، وما ارتبط بالنيل من قناطر وجسور ونظم للري، إلى جانب روايات عن القبط ومكانتهم، وما نُقل من وصايا النبي -صلى الله عليه وسلم- التي حثَّ فيها على حُسن معاملتهم، كما تورد روايات تربط مصر بثلاثة من الأنبياء، هم إبراهيم ويوسف ومحمد عليهم السلام.
والكتاب الثاني هو “فضائل مصر المحروسة” لابن الكندي، الذي يُعد من أبرز مؤرخي مصر في القرن الرابع الهجري، وكتابه يمثل اللحظة التي انتقلت فيها “فضائل مصر” من مادة مبثوثة في بطون كتب التاريخ إلى موضوع مستقل قائم بذاته؛ ويستدل ابن الكندي على مكانة البلاد من خلال آيات القرآن الكريم والروايات المرتبطة بالأنبياء وصلات مصر بالعرب، ثم يستعرض ما نُسب إليها من بركات وعجائب وآثار، مثل الأهرام ومنارة الإسكندرية، إلى جانب خيرات النيل وخصوبة الأرض وما اشتهرت به من محاصيل وثروات معدنية وصناعات نسيجية، كما يتناول أعلامها من الفقهاء والعلماء والزهاد، بالإضافة إلى الخلفاء والشعراء الذين وُلدوا فيها أو دخلوها.
أما الكتاب الثالث فهو “فضائل مصر وأخبارها وخواصها” لابن زولاق، الذي يُعد من أعلام التأريخ المصري في القرن الرابع الهجري، ويمثل مرحلة تطورت فيها الكتابة عن مصر من جمع فضائلها وأخبارها إلى إعادة تنظيمها في أبواب تجمع بين التاريخ والفضائل والخواص، ولا يكتفي بتناوله مكانة مصر وصلاتها بالأنبياء، وأقوال العلماء في فضلها، وما نُسب إليها من بركات، بل يخصص جزءًا لما يتعلق بأحوال مصر الاقتصادية والإدارية، حيث يتناول خراج مصر ونظام إدارة أراضيها الزراعية، وينقل روايات عن وفرة الرقعة المزروعة في عهد بعض الفراعنة، وطرق تقدير الخراج وتوزيع عائداته بين الحاكم والجند ومصالح الأراضي الزراعية، مع تخصيص جزء لمواجهة النوازل والجوائح، كما يولي اهتمامًا خاصًا بجبل المقطم وما ارتبط به من روايات عن فضله وقداسته، وما ضمّه من مقابر ومدافن، إذ يعرض أخبارًا وحكايات تتصل بالمكانة الدينية للجبل وارتباطه بدفن الموتى.
من الفضائل إلى المحاسن
والكتاب الأخير هو “الفضائل الباهرة في محاسن مصر والقاهرة” لابن ظهيرة، والذي يمثل مرحلة متأخرة تراكمت خلالها مادة ضخمة عن فضائل مصر، وكتابه أوسع كتب هذه السلسلة موضوعًا، إذ يضم مصر والقاهرة معًا، ويوسّع مفهوم “الفضيلة” إلى “المحاسن” التي تشمل التاريخ والدين والعمران ومظاهر الحياة اليومية كلها، فيقدم وصفًا تفصيليًا للقاهرة في عصره، واصفًا كثافة سكانها واتساع عمرانها، وما تضمه من جوامع ومدارس وحمامات، وفي مقدمتها الجامع الأزهر، كما يسجل مظاهر الحياة السياسية والاجتماعية، مثل إقامة الخلفاء العباسيين في مصر، واحتفالات المحمل ووفاء النيل، فضلًا عن وصف البساتين والمحاصيل والفواكه والمراكب النيلية.
ويختتم أحمد رجب المختارات برصد ابن ظهيرة لما يراه من خصائص المصريين وطباعهم، فيصفهم بالفصاحة وسرعة الفهم والقدرة على التعبير، ويشيد بعذوبة أصواتهم وحسن نغماتهم، وما يراه في نسائهم من جمال ورقة في الطبع والمنطق، كما يتحدث عن حلاوة ألسنتهم ومودتهم للناس، واهتمامهم بالغرباء ومساعدتهم في قضاء حوائجهم ورد المظالم عنهم، إلى جانب ما يصفه من تسامحهم مع اختلاف أحوال الناس ومهنهم.
وإذا وضعنا هذه الكتب الأربعة بعضها إلى جوار بعض، بدت اختياراتهم، وِفقًا للمؤلف، جزءًا من فكرة الكتاب نفسها: فابن عبد الحكم أورد أخبار الفضائل ضمن كتابه التاريخي العام، والكندي أفرد لها كتابًا مستقلًا، وابن زولاق أعاد تنظيمها وأضاف إليها أبوابًا عن الأخبار والخواص، أما ابن ظهيرة فجمع هذا التراكم في كتاب عن المحاسن والفضائل، وهكذا، لا تبدو المسافة بين هؤلاء المؤلفين زمنية فحسب، بل تكشف أيضًا عن تطور فكرة كتب الفضائل ذاتها؛ من أخبار متناثرة في كتب التاريخ، إلى مؤلفات مستقلة توسعت موضوعاتها لتشمل خصائص البلاد وخيراتها وعمرانها ومظاهر الحياة فيها.
من الكتاب:
– “قبط مصر أكرم الأعاجم كلها، وأسمحهم يدًا، وأفضلهم عنصرًا، وأقربهم رحمًا بالعرب عامة، وبقريش خاصة، ومن أراد أن يذكر الفردوس أو ينظر إلى مثلها في الدنيا، فلينظر إلى أرض مصر حين تخضر زروعها وتنور ثمارها”.
– “من أراد أن ينظر إلى شبه الجنة، فلينظر إلى مصر إذا أخرفت”.
– “لم يكن في الأرض يومئذ ملك أعظم من ملك مصر، وكانت الجنات بحافتي النيل من أوله إلى آخره، في الجانبين جميعًا”.
– “مصر أم البلاد، وغوث العباد”.
– “مصر بلدة معافاة من الفتن لا يريدهم أحد بسوء إلا صرعه الله، ولا يريد أحد هلكهم إلا أهلكه الله”.
– “يا أرض مصر فيك الخبايا والكنوز، ولك البر والثروة، سال نهرك عسلا، كثَّر الله زرعك، ودر ضرعك، وزكى نباتك، وعظمت بركتك وخصبت، ولا زال فيك يا مصر خير ما لم تتجبري وتتكبري، أو تخوني، فإذا فعلت ذلك عراك شر، ثم يعود خيرك”.
– “البركة عشر بركات: ففي مصر تسع، وفي الأمصار بركة واحدة، ولا تزال بمصر بركة ما دام في شيء من الأرضين بركة”.
– قال العلماء: “مصر المشبعة”. وقالوا: “من شرب من النيل بطينه، وركب البراذين، لم تنله علة”.
– “مصر خزائن الأرض كلها، وسلطان مصر سلطان الأرض كلها، ألا ترى إلى قول يوسف عليه السلام لملك مصر: (اجعلني على خزائن الأرض)، ففعل؟”.
– “ديارُ مصرَ هي الدنيا وساكنُها همُ الأنامُ فقابلها بتقبيلِ
يا مَن يباهي ببغدادٍ ودجلتِها مصرٌ مقدمةٌ والشرحُ للنيلِ”.

التعليقات