التخطي إلى المحتوى

أربيل صدر حديثاً عن دار قرطاس في أربيل (2026)، كتاب “غبش” للمخرج والكاتب الألماني فيرنر هرتسوغ، بترجمة كاميران حوج عن الألمانية، الذي تولّى أيضاً وضع الهوامش. 

يقدّم الكتاب تجربة أدبية تمزج السرد الروائي بالتأمل التاريخي والنفسي، عبر حكاية الجندي الياباني هيرو أونودا، الذي أمضى نحو ثلاثة عقود في أدغال جزيرة لوبانغ الفلبينية، متمسكاً باعتقاده أن الحرب العالمية الثانية ما تزال مستمرة.

ينطلق هرتسوغ من واقعة استثنائية ليبني عالماً سردياً تتداخل فيه الذاكرة بالخيال، والحقيقة بالوهم، وتصبح الغابة فضاءً مغلقاً تتصارع داخله تصورات الإنسان عن الزمن والواجب والوجود. فقد تلقّى أونودا، خلال الحرب، أوامر عسكرية تقضي بمواصلة المقاومة حتى عودة الجيش الإمبراطوري، مع منحه صلاحيات واسعة لاتخاذ القرارات منفرداً. ومع انهيار الجبهة اليابانية وانتهاء الحرب، تحولت المهمة العسكرية إلى قدر طويل، وأصبح تنفيذ الأوامر القديمة أسيراً لعقل يرفض الاعتراف بتبدّل العالم من حوله.

تتخذ الحكاية مساراً درامياً حين يلتقي أونودا بالشاب الياباني نوريو سوزوكي، الذي يصل إلى الجزيرة بحثاً عنه، مدفوعاً برغبة في العثور على الجندي الذي استعصى على محاولات الوصول إليه. يكشف اللقاء الهوة الواسعة بين رجل عاش عقوداً داخل زمن الحرب، وشاب ينتمي إلى عالم آخر، تشكّلت ملامحه بفعل التحولات السياسية والعلمية والاجتماعية. ومن خلال الحوار بينهما، يستعيد أونودا صورة العالم الذي غادره، فيما يحاول سوزوكي زعزعة يقينه بحقائق تتصل باستسلام اليابان، والحروب اللاحقة، والتطورات التي شهدتها البشرية.

يمنح هرتسوغ التفاصيل اليومية داخل الغابة أهمية خاصة؛ فحركة الأوراق، وأصوات الحشرات، والمطر، وآثار الأقدام، ومراقبة الدروب، تتحول إلى عناصر أساسية في بنية الكتاب. وتكتسب الطبيعة حضوراً يتجاوز وظيفتها المكانية، إذ تغدو امتداداً للحالة النفسية للجندي، ومرآة لعزلته وقلقه واستعداده الدائم لمواجهة عدو يتخيله حاضراً في كل لحظة. ومن خلال هذا البناء، يرسم الكاتب شخصية تعيش بين الانضباط العسكري والخوف، وبين الوفاء للأوامر والعجز عن إدراك التحولات التاريخية.

يطرح الكتاب أسئلة تتصل بقدرة الإنسان على التكيف مع الحقيقة حين تتعارض مع منظومته الراسخة من المعتقدات. فالحرب، في تجربة أونودا، تستمر داخل الوعي حتى بعد توقف المعارك، وتتحول الذاكرة إلى سلطة تتحكم في الحاضر وتعيد تشكيله وفق صورة الماضي. وهكذا تتجاوز الحكاية حدود الواقعة التاريخية لتلامس عزلة الإنسان أمام الزمن، ومحنة اليقين حين يصبح حاجزاً يفصل صاحبه عن العالم.

وتتيح ترجمة كاميران حوج للقارئ العربي الاقتراب من هذا العمل الذي يجمع بين المشهدية السينمائية والتأمل الأدبي، مع إتاحة الهوامش لفهم بعض الإحالات التاريخية والثقافية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *