أخطاء الشركات .. حين تظن العلامة التجارية أن اسمها يكفي
“عندما تكون في روما، افعل كما يفعل الرومان”، قاعدة شهيرة تختصر أهمية فهم ثقافة الآخرين والتكيف مع عاداتهم، لكن تطبيقها في عالم الأعمال أكثر تعقيداً مما تبدو عليه، فليس كافيًا أن تتبنى الشركات سلوك المستهلكين المحليين، بل عليها أن تعرف أيضاً ما الذي ينبغي تغييره في منتجاتها، وما الذي يستحق الاحتفاظ به من هويتها الأصلية.
هذا ما اكتشفته شركة “ماتيل” الأمريكية بالطريقة الأصعب، عندما حملت دميتها الشهيرة “باربي” إلى الصين، مصحوبة بطموحات ضخمة واستثمار تجاوز 30 مليون دولار.

أكبر سوق استهلاكية في العالم
في مارس 2009، بالتزامن مع الذكرى الخمسين لابتكار دمية “باربي”، افتتحت “ماتيل” متجراً رئيسيًا في شنغهاي، وسط اهتمام إعلامي واسع، امتد المتجر عبر ستة طوابق، في شارع هوايهاي، أحد أبرز شوارع التسوق في المدينة، ليصبح ثاني متجر رئيسي من نوعه في العالم.
لم ترد الشركة أن يكون المكان مجرد منفذ لبيع الألعاب، بل أرادت تحويل “باربي” إلى علامة تجارية متكاملة تعكس أسلوب حياة، لذلك ضم المتجر أكبر مجموعة من دمى “باربي”، وملابس تحمل علامتها التجارية، ومطعماً، وصالون تجميل، ومنتجعاً صحياً. حتى السلم الداخلي زُيّن بـ875 دمية، في محاولة لتحويل الزيارة إلى تجربة غامرة في عالم الشخصية الوردية.
كانت وراء هذه الخطوة حسابات تجارية واضحة، فقد ضغطت الأزمة المالية العالمية على المبيعات في الأسواق الغربية، بينما سجلت مبيعات التجزئة في الصين نمواً بلغ نحو 15% خلال عام 2009.
لكن الخطة قامت على افتراض أن المستهلك الصيني سيمنح “باربي” المكانة نفسها التي تتمتع بها في الولايات المتحدة، وأن الإقبال على العلامات التجارية الغربية سيمتد تلقائياً إلى كل ما تحمله من منتجات وخدمات.

أيقونة أمريكية في سوق لا تعرف قصتها
في الولايات المتحدة، لم تكن “باربي” مجرد دمية، فمنذ ظهورها عام 1959، اكتسبت الشخصية مكانة ثقافية جعلت اسمها يحمل دلالات تتجاوز اللعبة نفسها، أما في الصين، فلم يكن هذا الإرث راسخًا بالدرجة ذاتها، رغم أن دمى “باربي” كانت تُباع بالفعل في السوق، وتحظى بقبول نسبي.
هنا أخطأت “ماتيل” في تقدير المرحلة التي وصلت إليها علامتها التجارية داخل السوق الجديدة، وزاد الأمر تعقيداً استهداف المتجر فئتين مختلفتين في وقت واحد: الفتيات الصغيرات، والنساء البالغات اللواتي افترضت الشركة أنهن سيرغبن في الأزياء والتجميل والمنتجات المرتبطة بأسلوب حياة “باربي”.

حساسية المستهلك
افترضت الشركة أن المستهلكين الصينيين سيرغبون في مجموعة واسعة من الملابس والأطعمة والسلع الفاخرة المرتبطة بالدمية، لكن المنتجات لم تتوافق بالقدر الكافي مع احتياجات شرائح من النساء الصينيات، اللواتي كن يفضلن في بعض الأحيان الملابس ذات الطابع اللطيف والألوان الوردية، على غرار شخصية “هيلو كيتي”.
وأظهرت مقابلات أجرتها شركات أبحاث السوق مع متسوقين عند خروجهم من المتجر أن بعضهم رأى الأسعار مبالغاً فيها، وهكذا وجدت “ماتيل” نفسها تطلب من المستهلكين دفع أسعار مرتفعة لقاء منتجات لم يقتنعوا بتميزها.
وكانت البيئة الاقتصادية تزيد حساسية المستهلكين تجاه القيمة مقابل المال، ففي أعقاب الأزمة المالية، أصبح كثيرون أكثر حرصاً على توجيه إنفاقهم نحو السلع التي يمكن استخدامها يومياً، مثل الحقائب والمعاطف، بدلاً من شراء ملابس مرتبطة بشخصية معينة ولا تُرتدى إلا في مناسبات محدودة.
وفي هذه البيئة، استطاعت علامات مثل “زارا” و”يونيكلو” الاستفادة من تقديم منتجات عملية بأسعار تنافسية، بينما لم تنجح “ماتيل” في إقناع العملاء بأن منتجات “باربي” تستحق العلاوة السعرية التي فرضتها.
كما لم تساعد طريقة اختيار موقع المتجر على جذب أعداد كافية من الزوار، فقد فضّل كثير من المتسوقين في المدن الصينية الكبرى مراكز التسوق التي تجمع المتاجر والمطاعم والخدمات المختلفة في مكان واحد، بدلاً من تخصيص رحلة مستقلة لزيارة متجر بعينه.
ومع الازدحام المروري ومتطلبات التنقل في شنغهاي، كان على “بيت باربي” أن يقدم سببًا استثنائيًا يدفع المستهلكين إلى اختياره، إلى جانب ذلك، واجهت العلامة التجارية منافسة من نسخ مقلدة لدمى “باربي”، فيما أدى عدم الاستفادة بالقدر الكافي من مصادر التصنيع المحلية إلى زيادة الضغوط على التكلفة والأسعار، واجتمعت هذه العوامل لتضعف جاذبية المتجر.

عامان فقط
سرعان ما بدأت النتائج تكشف حجم الفجوة بين طموحات “ماتيل” واستجابة السوق، فخلال الأشهر الثمانية الأولى من عمر المتجر، اضطرت الشركة إلى خفض أهداف مبيعاتها لعام 2010 بنحو 30%، في إشارة إلى أن المشروع لم يحقق الأداء الذي انتظرته الإدارة.
ومع استمرار الصعوبات، لم يعد حجم المتجر أو تنوع خدماته ميزة تضمن النجاح، بل أصبحا جزءًا من المشكلة، فالمشروع الضخم احتاج إلى جذب أعداد كافية من العملاء وتحقيق إنفاق متكرر لتبرير تكاليفه، بينما لم تتمكن الشركة من بناء قاعدة طلب توازي حجم الاستثمار.
وفي عام 2011، أغلقت “ماتيل” متجر “بيت باربي”، بعد عامين فقط من افتتاحه، وأرجعت الشركة القرار إلى تغيير استراتيجيتها في الصين، مؤكدة استمرار التزامها بتطوير العلامة التجارية في البلاد.
لم يكن الإغلاق دليلاً على استحالة نجاح “باربي” في السوق الصينية، بل على أن الطريقة التي اختارتها “ماتيل” لدخولها لم تكن ملائمة، فالشركة استطاعت جذب الاهتمام الإعلامي، لكنها لم تحول هذا الاهتمام إلى مبيعات مستدامة بالقدر الذي يبرر استمرار المتجر.
تظل تجربة “بيت باربي” في شنغهاي درسًا للشركات التي تسعى للتوسع العابر للحدود، إذ إن النجاح في الأسواق الكبرى لا يعتمد على قوة رأس المال أو بشهرة الأسماء الغربية وحدها، بل بالإنصات الصادق لثقافة الشعوب، والتواضع أمام تفاصيل حياتهم اليومية.
المصادر: مجلة “فوربس” – موقع “نولدج أوف وارتون” – وكالة “بلومبرج”
للمزيد من المقالات
اضغط هنا

التعليقات