وامتدت تداعيات التصعيد إلى الفعاليات الاقتصادية، إذ تسبب في تعطيل مؤتمر البترول العالمي في الرياض وغياب مسؤولين تنفيذيين بارزين في قطاع الطاقة. كما دفع المنظمين إلى إتاحة المشاركة عن بعد في “مبادرة مستقبل الاستثمار”، المنتدى السنوي الذي يستقطب مستثمرين ومسؤولين من مختلف أنحاء العالم.
وليست الهجمات على العمق السعودي سابقة في مسار الصراع؛ ففي عام 2019، أدى عدوان استهدف منشآت أرامكو إلى تعطيل مؤقت لنحو خمسة بالمئة من إمدادات النفط العالمية.
وجاءت تلك الاعتداءات بعد تدخل الرياض عسكريا في اليمن عام 2015، عقب سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء. واستمرت الحرب سنوات من دون حسم، قبل التوصل إلى وقف لإطلاق النار عام 2022.
ومع ذلك، يرى عبدالعزيز بن صقر، رئيس مركز الخليج للأبحاث، ومقره السعودية، أن القيادة باتت تعتبر الضغط العسكري الخيار المتاح للتعامل مع التصعيد. وقال إن المملكة وصلت إلى مرحلة لا ترى فيها مجالا للتفاوض، وإن العمل العسكري أصبح، من وجهة نظرها، الخيار المتبقي.
في المقابل، قال فواز جرجس، الباحث المتخصص في شؤون الشرق الأوسط بكلية لندن للاقتصاد، إن الحوثيين باتوا ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم يتفاوضون من موقع قوة، ويسعون إلى انتزاع اعتراف بسلطتهم في صنعاء وتخفيف القيود المفروضة على اليمن. وأضاف أن مطالبهم تعكس سعيا إلى فرض شروط المنتصر في أي تسوية.
وتشير المصادر المطلعة على الموقف السعودي إلى أن واشنطن لم تبد رغبة كبيرة في شن حملة عسكرية طويلة جديدة ضد المتمردين في اليمن، منذ أن قصفت مواقع للجماعة العام الماضي ردا على هجماتها على سفن في البحر الأحمر، قبل التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.
ويضع هذا الموقف الرياض أمام تحدي التعامل مع تهديد متصاعد قد لا يفضي الضغط العسكري وحده إلى إنهائه.
وأفادت مصادر لرويترز الشهر الماضي بأن ولي العهد السعودي طلب من ترامب المساعدة في مواجهة حملة الحوثيين، لكن الرئيس الأميركي لم يوافق على شن ضربات.
وبدلا من ذلك، عرضت واشنطن المساعدة في تحديد الأهداف وتبادل المعلومات الاستخباراتية. وقال ترامب لاحقا إنه يدرس اتخاذ إجراءات محتملة ضد الجماعة، بينما بدا أنه يؤجل أي رد إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية.
وفي ظل ما كشفته الطائرات المسيرة والصواريخ من تحديات أمام الدفاعات السعودية، يحذر محللون من احتمال تحول المواجهة إلى حرب استنزاف يعتقد الحوثيون أن الجغرافيا وطول أمد الصراع قد يمنحانهم فيها أفضلية.
وقال آرون ديفيد ميلر، المفاوض الأميركي السابق، إن الفارق في قيمة البنية التحتية التي قد تتعرض للهجمات يمنح الحوثيين هامشا أوسع لتحمل الخسائر، مقارنة بالسعودية التي ترتبط منشآتها الحيوية باستثمارات ضخمة ومصالح اقتصادية دولية.
وأضاف أن البنية التحتية السعودية أكثر قيمة بكثير من نظيرتها لدى الحوثيين، ما يعني أن حجم الخسائر المحتملة على المملكة أكبر.
من جانبه، قال فارع المسلمي، المحلل المتخصص في الشأن اليمني، إن حملة الحوثيين ضد الرياض تهدف إلى توسيع نفوذ الجماعة إقليميا، محذرا من أن استمرارها قد يقود إلى صراع أوسع في شبه الجزيرة العربية.
وربط المسلمي التصعيد بتعثر خارطة طريق السلام المدعومة من السعودية عام 2023، التي كانت تتيح مسارا نحو تسوية سياسية وتخفيف القيود الاقتصادية، إلى جانب مساهمة الرياض في تمويل رواتب القطاع العام وإعادة الإعمار. لكن الصراع في البحر الأحمر أخرج العملية عن مسارها، بالتزامن مع تنامي التقارب بين الحوثيين وإيران.
وحذر من أن مسار الأزمة قد يقود إلى حرب أشد دموية من تلك التي بدأت عام 2015، في ظل اختلاف الظروف الإقليمية وتراجع فرص الاعتماد على تحالفات مماثلة لتلك التي كانت قائمة آنذاك.
وشدد المسلمي على أن التعامل مع التهديد الحوثي يتطلب تنسيقا خليجيا، ولا سيما بين السعودية والإمارات، معتبرا أن خطر الجماعة لا يقتصر على المملكة، بل يمتد إلى أمن الخليج والمنطقة بأسرها.

التعليقات