التخطي إلى المحتوى

لا تخرج تطورات الأحداث في اليمن اليوم عن تبعات الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران. ولعل طول هذه الحرب وعدم حسمها حتى اليوم يفرضان على دول المنطقة النظر إلى واقعها الاستراتيجي بمنظور مختلف عن ذلك التقليدي الذي حكمها طوال عقود ماضية.

فرضت الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران تحولات مهمة في الحسابات العسكرية والاقتصادية والسياسية للمنطقة، ووضعت طهران أمام تحديات خطيرة ومخاطر تهدد أمنها واقتصادها ومستقبل موقعها الإقليمي. ومن ناحيتها، استخدمت إيران أوراق قوة عديدة تمتلكها في المنطقة لتقليل آثار تلك المخاطر، عبر رفع كلفتها على دول الجوار الخليجي.

وكشفت هذه الاستراتيجية الإيرانية عن تحديات خطيرة تواجه دول الخليج، خصوصاً السعودية، القطب الأهم بينها، وتمس اقتصادها وأمنها. ومن خلال تتبع تصاعد المواجهة بين الحوثيين والسعودية، يمكن تحليل التحديات التي تواجه المملكة اليوم، ضمن المنظور الاستراتيجي الجديد والأوسع للمنطقة ومستقبلها.

تواجه السعودية موجة متجددة من الاعتداءات الحوثية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، تستهدف مطاراتها ومنشآتها النفطية، بالتزامن مع تهديد الملاحة السعودية في البحر الأحمر. وليست هذه الأهداف جديدة؛ فقد تعرضت المملكة لاعتداءات مماثلة خلال سنوات الحرب السابقة في اليمن، قبل التهدئة التي أعقبت هدنة عام 2022.

وبدأت تلك التهدئة بالانهيار في 13 يوليو/تموز 2026، مع استهداف التحالف مدرج مطار صنعاء لمنع طائرة إيرانية من الهبوط، في عملية أعلنت الحكومة اليمنية مسؤوليتها عنها، بينما نسبها الحوثيون إلى السعودية. وأعلن الحوثيون، على إثرها، استهداف مطار أبها، ثم أعلنوا فرض حصار بحري على السعودية في 20 يوليو/تموز الماضي.

وفي اليمن، انتقل التصعيد من تبادل الضربات إلى معارك لتغيير السيطرة على الأرض، خصوصاً في الساحل الغربي. وتقدم الحوثيون خلال الشهر الماضي نحو المخا والمناطق المحاذية لباب المندب. ثم أطلقت القوات الحكومية المدعومة سعودياً هجوماً مضاداً مطلع الشهر الجاري، وأعلنت استعادة المخا وذباب ومواقع مشرفة على المضيق، فيما تتواصل المعارك بين الأطراف المتحاربة.

منذ اندلاع الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران، تتعرض السعودية لضغوط متصاعدة على مسارات تصدير نفطها، الذي يشكل عماد اقتصادها، فقد تضرر المنفذ الشرقي لصادراتها النفطية عبر مضيق هرمز، بفعل اضطراب الملاحة الناتج عن المواجهات الأميركية ـ الإيرانية في المضيق.

ومع زيادة الاعتماد على نقل النفط براً عبر خط ‘شرق ـ غرب’ إلى ينبع على البحر الأحمر، تعرض هذا المسار البديل للتعطيل أيضاً، بعدما ازداد الاعتماد عليه في أعقاب تضرر المنفذ البحري الشرقي، فقد تعرض خط ‘شرق ـ غرب’ لهجوم بطائرات مسيّرة الشهر الماضي، وحمّلت الرياض جماعات عراقية قريبة من إيران المسؤولية، قبل استئناف تشغيله لاحقاً. وأضاف الحصار الذي أعلنه الحوثيون على المنفذ البحري الغربي للسعودية وباب المندب عبئاً إضافياً، خصوصاً على حركة ناقلات النفط السعودية عبر المضيق. ولم يقتصر استهداف الحوثيين ناقلات النفط السعودية على محيط المضيق، بل امتد إلى قبالة ينبع.

قد تفسر هذه التطورات التحول في الموقف السعودي تجاه التعامل مع الحوثيين؛ فبعد سنوات من السعي إلى تثبيت التهدئة والتفاوض على تسوية سياسية، اتجهت الرياض مجدداً إلى المواجهة العسكرية. وباتت استعادة المواقع الساحلية القريبة من باب المندب هدفاً يرتبط بحماية مصالحها الاقتصادية وصادراتها، خصوصاً في ظل اضطراب الملاحة في مضيق هرمز. ففي عام 2023، أكد وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان دعم الحوار للتوصل إلى حل سياسي شامل بإشراف الأمم المتحدة. في المقابل، نقلت وكالة رويترز، مطلع الشهر الجاري، عن مصادر مطلعة أن الرياض تعدّ لهجوم بري تنفذه قوات يمنية بإسناد جوي سعودي، كما نقلت عن دبلوماسيين غربيين ومسؤولين خليجيين أن الرياض لا تستطيع الدخول في مفاوضات سلام جديدة مع بقاء الحوثيين مسيطرين على باب المندب. وقد تجسد هذا التوجه في الإسناد الجوي السعودي للهجوم الحكومي اليمني الأخير على الحوثيين.

ورغم ذلك، فإن العودة إلى الحرب لا تمنح السعودية ضمانة بتحقيق الحسم، فلم تحقق تجربة الحرب السابقة، التي بدأت عام 2015 بقيادة التحالف السعودي وبمشاركة إماراتية، أهدافها المتمثلة في هزيمة الحوثيين. ولم تنجح تلك الحرب في إعادة الحكومة التي أخرجها الحوثيون من صنعاء، إذ بقيت العاصمة ومعظم مناطق الشمال تحت سيطرتهم.

كما أن الحملة العسكرية الجوية التي شنتها الولايات المتحدة ضد الحوثيين عام 2025 لم تقضِ على قوتهم في اليمن، رغم تجاوز تكلفتها مليار دولار؛ فقد دمرت أسلحة ومنشآت، وقتلت قيادات حوثية ميدانية، لكنها انتهت باتفاق لوقف الهجمات المتبادلة بين الولايات المتحدة والحوثيين، لم يشمل إسرائيل.

كذلك، فإن تحالف مكة الأمني الأخير بين السعودية وباكستان وتركيا لن يساعد المملكة في معركتها في اليمن إلا في حدود دفاعية وتقنية، خصوصاً أنه لا يزال في مراحله الأولى. ومن الصعب التعويل على الولايات المتحدة، التي رفضت تلبية طلب سعودي للمشاركة في شن ضربات جوية، وتكتفي بتقديم الاستشارات والمعلومات الاستخباراتية والبيانات اللازمة لتحديد الأهداف.

وتقوم الاستراتيجية الأميركية في المنطقة على زيادة دور الشركاء الإقليميين في الدفاع عن أنفسهم وعن المنطقة ومصالحهم فيها ويفسر ذلك طلب ترامب، قبل أيام، من تركيا التدخل لمساندة السعودية.

تفرض هذه التطورات على دول المنطقة إعادة النظر في معادلات أمنها وتوازناتها الاستراتيجية، انطلاقاً من حقيقة أن إيران وحلفاءها جزء من واقع المنطقة، لا يمكن بناء استقرار دائم بتجاهله. وتبقى علاقات التعاون والمصالح المتبادلة أساساً ضرورياً لهذا الاستقرار، مع ضرورة بناء توازن بين أدوات القوة التي تمتلكها دول الخليج وتلك التي تمتلكها إيران.

وقد أثبتت إيران، خلال مجريات الحرب الحالية، أنها تمتلك أوراق قوة مهمة تكبدت دول المنطقة، بفعلها، أثماناً باهظة، وكشفت هذه التطورات عن اختلال في قدرة تلك الدول على فرض كلفة مقابلة. إن امتلاك دول الخليج أدوات قوة تجعل الإضرار بأمنها ومصالحها مكلفاً لإيران من شأنه أن يجعل كلفة التصعيد متبادلة، ويدفع الأطراف إلى البحث عن حلول سياسية متوازنة تدعم التعاون والاستقرار في المستقبل.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *