واشنطن – تعمل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على صياغة استراتيجية جديدة لتعزيز نفوذها في العراق والسيطرة على موارده النفطية، رغم انسحاب القوات الأميركية من البلاد، حيث تسعى إلى توظيف نفوذها الاقتصادي والسياسي للضغط على حكومة علي الزيدي، ودفعها إلى إبرام اتفاقيات تتيح لشركات الطاقة الأميركية توسيع أنشطتها في قطاع النفط.
وكان ترامب قد أعلن في 30 سبتمبر/أيلول أن الولايات المتحدة تغادر العراق، لكنه قال في يوليو/تموز، خلال استقباله الزيدي في البيت الأبيض، إن الشركات الأميركية ستستخرج كميات كبيرة من النفط العراقي.
وبحسب تقرير لمجلة “فورين بوليسي” الأميركية، على مدى الأشهر الماضية، عملت إدارة ترامب على تمهيد الطريق لمرحلة جديدة من النفوذ الأميركي في العراق. ولم يقتصر الضغط على المواقف السياسية، إذ علقت واشنطن تمويل قوات الأمن العراقية، ومنعت بغداد من الحصول على عائدات نفطية مودعة في حسابات لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك.
وقدمت الإدارة هذه الإجراءات باعتبارها وسيلة لدفع العراق إلى الابتعاد عن إيران، لكنها انتهت إلى دعم الزيدي، الذي يمتلك مصرفا أثيرت بشأنه مزاعم تتعلق بصلات مع إيران.
وبعد تولي الزيدي رئاسة الحكومة، استأنفت الولايات المتحدة تحويل عائدات النفط إلى بغداد، في خطوة ساعدت حكومته على تعزيز موقعها. وفي يوليو/تموز، أعلن الجانبان إطلاق شراكات نفطية جديدة، فيما استضافت غرفة التجارة الأميركية قمة أعمال شهدت الترتيب لاتفاقيات تجاوزت قيمتها 60 مليار دولار، بمشاركة شركات طاقة أميركية كبرى، بينها شيفرون وكونوكو فيليبس.
وتشير هذه التحركات إلى محاولة واشنطن استثمار نفوذها المالي والسياسي لضمان وصول الشركات الأميركية إلى موارد العراق، حتى مع تراجع وجودها العسكري المباشر.
ورغم التفاؤل الذي تبديه الإدارة الأميركية بشأن الاتفاقيات الجديدة، يشكك مسؤولون وخبراء في إمكانية تنفيذ هذه الخطط بسهولة، في ظل استمرار نفوذ الجماعات المسلحة داخل العراق.
وحذر مشاركون في منتدى نظمه المجلس الأطلسي في سبتمبر/أيلول من صعوبة إخضاع الميليشيات لسلطة الحكومة العراقية، ولا سيما الجماعات التي تتلقى دعما من إيران. وكان الزيدي قد تعهد بوضع هذه الجماعات تحت سيطرة الدولة، لكنه أرجأ الموعد المحدد لنزع سلاحها.
وقالت السفيرة الأميركية السابقة لدى العراق ألينا رومانوسكي إن استمرار نشاط الميليشيات سيجعل دخول شركات أميركية جديدة إلى السوق العراقية أكثر صعوبة وكلفة، مشيرة إلى أن ضغوط الجماعات المسلحة كانت أحد العوامل التي دفعت نحو الانسحاب العسكري الأميركي.
ويرى مسؤولون أميركيون أن الانسحاب يقلص قدرة واشنطن على التدخل العسكري السريع ضد الجماعات المسلحة، ويحد من قدرتها على التأثير المباشر في موازين القوى داخل العراق.
كما أثار خبراء مخاوف من غياب استراتيجية متماسكة تجمع بين الانسحاب العسكري وتشجيع الاستثمارات. وحذر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو من مخاطر تفكك العراق إلى مناطق نفوذ متنافسة، في حال عجزت الحكومة عن السيطرة على القوى المسلحة المستقلة.
وتواجه الاستراتيجية الأميركية عقبات إضافية بسبب تداعيات الحرب مع إيران والاضطرابات في مضيق هرمز، الذي يمثل ممرا حيويا لصادرات النفط الإقليمية.
وألحق تراجع حركة الملاحة عبر المضيق أضرارا بالاقتصاد العراقي، مع انخفاض صادرات النفط وإيراداته. ويضع ذلك بغداد أمام أزمة اقتصادية قد تحد من قدرتها على الاستفادة من الاتفاقيات الجديدة أو جذب استثمارات إضافية.
وتواجه إدارة ترامب تحفظات من بعض حلفائها في الشرق الأوسط بشأن العمليات العسكرية ضد إيران، خصوصا مع تعرض دول في المنطقة لهجمات. ويؤدي تراجع الدعم الإقليمي إلى زيادة صعوبة استمرار العمليات الأميركية، فيما تتصاعد داخل الولايات المتحدة المخاوف من الحرب وارتفاع أسعار الوقود.
ويرى مسؤولون سابقون أن تراجع الثقة الشعبية في صانعي القرارات العسكرية الأميركية قد يجعل تمرير خطط جديدة للتدخل في المنطقة أكثر صعوبة.
وتسعى إدارة ترامب إلى الانتقال من النفوذ العسكري المباشر إلى استخدام أدوات الضغط السياسي والمالي والاتفاقيات التجارية لتحقيق أهدافها، وفي مقدمتها توسيع سيطرة الشركات الأميركية على قطاع النفط.
لكن هذه الاستراتيجية تواجه تناقضات واضحة، فواشنطن تريد تشجيع الاستثمارات في الوقت الذي يقلص فيه الانسحاب العسكري قدرتها على التأثير في الوضع الأمني، كما أن استمرار نفوذ الميليشيات واضطراب الملاحة في مضيق هرمز يهددان البيئة اللازمة لتنفيذ الاتفاقيات.
وبينما ترى الإدارة الأميركية في الشراكات النفطية فرصة لتعزيز حضورها الاقتصادي، يحذر منتقدوها من أن هذه السياسة قد تعيد إنتاج التدخل الأميركي في العراق بأدوات مختلفة، بدلا من إنهاء عقود من الصراع والتنافس على النفوذ.

التعليقات