دفعت إسبانيا بأعلى رموز الدولة إلى سبتة ومليلية المحتلتين، في محاولة لإضفاء شرعية على استمرار احتلالهما وتغطية الانتهاكات بمشهد من التضامن الوطني، فالزيارة التي قام بها الملك فيليبي السادس والملكة ليتيثيا يومي 13 و14 أكتوبر/تشرين الأول، وما رافقها من تعبئة إعلامية واستدعاء للتضامن الأوروبي، وظفت العرش في الدفاع عن وجود استعماري على أرض مغربية، تحاول مدريد تحصينه بإعلانات عن “سيادة” تزعم أنها غير قابلة للتفاوض.
غير أن تضخيم الحدث أعاد تقديم المدينتين أمام العالم بوصفهما قضية تحتاج إسبانيا إلى حشد مؤسساتها لتبرير استمرار سيطرتها عليهما. وبين وصف الزيارة بأنها تعبير عن “الحياة الطبيعية” للدولة والاحتفاء بها باعتبارها حدثا استثنائيا بعد تسعة عشر عاما من الغياب الملكي، ظهر التناقض الذي تحاول مدريد إخفاءه.
حين يعلن ملك اسبانيا أن أي تهديد للمدينتين يمثل تهديدا للاتحاد الأوروبي، فإنه يسعى إلى تحميل أوروبا مسؤولية حماية مكتسبات احتلال إسباني في شمال المغرب، وتحويل المطالبة المغربية بإنهاء الاحتلال إلى مسألة أمنية تستوجب الاصطفاف خلف مدريد.
ولا يملك العاهل الإسباني أن يحسم بتصريحاته مصير مدينتين لم يتنازل المغرب يوما عن حقه في استرجاعهما، فقد احتل البرتغاليون سبتة سنة 1415، خلال العهد المريني، واحتلت القوات الإسبانية مليلية سنة 1497، خلال العهد الوطاسي، ضمن الغزو العسكري الإيبيري على الساحل المغربي. وانتقال سبتة بين قوتين أوروبيتين لا يمنحهما حق التصرف في أرض مغربية، كما أن إطالة الاحتلال وتغيير ترتيباته الإدارية لا تمحوان أصله القائم على الغزو والاستيطان العسكري، ولا تحولان ما فرضته القوة إلى حق مشروع.
وقد حمل المغرب هذه المطالبة إلى الأمم المتحدة سنة 1975، ودعت منظمة الوحدة الأفريقية إسبانيا في العام نفسه إلى إنهاء استعمار المواقع التي تحتلها وفتح مفاوضات مع الرباط. وعندما رفض الملك محمد السادس زيارة خوان كارلوس سنة 2007، ربطها بالحنين إلى مرحلة استعمارية مظلمة تجاوزها الزمن. ويؤكد هذا السجل أن القضية المغربية سابقة للأزمة الأخيرة وللتجاذبات السياسية الإسبانية، وأن تبدل الملوك وتكرار الزيارات لا يمنحان مدريد سلطة إغلاق ملف لم يتنازل المغرب عن حقوقه فيه.
والأشد خطورة ما كشفه تقرير أمنستي الصادر في 30 سبتمبر/أيلول عن التعذيب والمعاملة القاسية بحق مهاجرين، بينهم مغاربة ونساء وقاصرون، على أيدي عسكريين إسبان، خصوصا من وحدات “الريغولاريس” و”الليخيون”. فقد جمعت المنظمة 22 شهادة مباشرة عن الضرب والإذلال وسلب الأموال وتحطيم الهواتف، ونقلت شهادات عن ضرب أشخاص مقيدين، وإجبار مسلمين على الركوع وتقبيل صليب، ودفع شاب من مكان مرتفع حتى بقي عاجزا عن المشي 25 يوما. كما وثقت شهادات ومقاطع عن اعتداءات ليلية نفذها عسكريون ملثمون وعمليات إبعاد عبر السياج، وهي وقائع توثق نمطا متكررا من الانتهاكات.
وقبل الزيارة بيومين، في 11 أكتوبر/تشرين الأول، نفذت الشرطة الوطنية إخلاء مخيم الغوانو بمشاركة الحرس المدني والجيش، وحشدت العملية أكثر من 350 عنصرا. ووثقت الصحافة هروب مهاجرين نحو الجبال، وعودة آخرين إلى المغرب. وقد أتاح إخلاء المخيمات تقديم مشهد أكثر ملاءمة للاستقبال الملكي، فيما بقيت أوضاع المهاجرين وضمانات حمايتهم خارج الصورة الاحتفالية، واستمر السؤال عن العقوبات المقررة بحق المتورطين في الانتهاكات.
ثم أعلن الملك الإسباني أن المهاجرين يجب أن يعاملوا بكرامة وإنسانية وبالضمانات القانونية، ووجه الشكر إلى الجيش والأمن، في تناقض صارخ مع الوقائع التي وثقتها أمنستي. ويضاعف موقعه الدستوري، بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة، المسؤولية السياسية والأخلاقية للمؤسسة الملكية عن هذا التباعد. فلا يستقيم توظيف هيبة العرش للاحتفاء بالقوات وتثبيت الاحتلال، بينما تتهم تقارير حقوقية عناصر من هذه القوات بالتعذيب والإهانة الدينية، ثم الاكتفاء بإعلان احترام الكرامة دون تقديم حصيلة محاسبة تعطيه مضمونا ملموسا.
وتعيد هذه الممارسات استحضار القمع الاستعماري الذي حمله “جيش إفريقيا” إلى إسبانيا وأسهم في صعود فرانكو، وحرب الريف التي استخدمت فيها إسبانيا أسلحة كيماوية ضد المدنيين، كما وثق المؤرخ البريطاني سيباستيان بلفور. وهي ممارسات توصف بالإبادة الاستعمارية، وتظل العودة إلى استباحة الإنسان المغربي ومعتقده استعادةً لأدوات ذلك الماضي. وتكتسب الإهانات الدينية فداحتها من اقتران العنف بمحاولة إخضاع الضحية في هويتها وكرامتها، بما يستحضر نظرة استعمارية إلى المغاربة لم تتخلص بعض الممارسات العسكرية من آثارها.
أما الشعارات التي رفعتها مدريد مؤخرا في مواجهة إسرائيل وباسم مساندة فلسطين، فيفضح الواقع الاحتلالي والاستيطاني في سبتة ومليلية انتقائيتها، فأي صدقية لخطاب يدعي الدفاع عن حقوق الشعوب ورفض فرض الأمر الواقع، بينما تستخدم الدولة نفسها رمزية عرشها لتأكيد استمرار سيطرتها على أرض مغربية وإخراج استرجاعها من دائرة النقاش؟ إن استدعاء فلسطين في الخطاب السياسي الإسباني لا يمنح مدريد إعفاء من مواجهة احتلالها، ولا يجعل الكرامة مبدأ صالحا للاستهلاك الخارجي وقابلا للتعطيل عندما يتعلق الأمر بالمغاربة.
لقد أرادت إسبانيا تحويل الزيارة إلى شهادة شرعية، فأعادت إبراز حاجتها إلى التعبئة لحماية إرث استعماري وتجميل صورة قوات تلاحقها تقارير التعذيب والإذلال. وتبقى سبتة ومليلية أرضا مغربية محتلة، لا يغير هويتها حضور ملكي ولا تسقط حقوق المغرب فيها حملات الاصطفاف، مهما اتسعت الاحتفالات أو ارتفعت نبرة التهديد.

التعليقات