التخطي إلى المحتوى

ثمة مفارقة تكاد تتحول إلى قاعدة في عالمنا المعاصر: تبدأ الحروب عندما تفشل الدبلوماسية، ثم تعود الدبلوماسية نفسها إلى الواجهة عندما تبدأ الحروب في استنفاد قدرتها على تقديم إجابات. وكأن العالم لا يتذكر قيمة الكلام إلا بعد أن تصبح لغة السلاح عاجزة عن قول شيء جديد.

في الشرق الأوسط، كما في الحرب الروسية – الأوكرانية، تبدو هذه المفارقة واضحة، فقنوات الاتصال لا تختفي تمامًا حتى في أكثر اللحظات توترًا، والمفاوضون يواصلون البحث عن صيغة ما، بينما تواصل الجبهات فرض وقائع جديدة على الأرض. وفي كل مرة، يعود السؤال نفسه: هل تستطيع الدبلوماسية أن توقف الحرب، أم أنها لا تظهر إلا بعدما تصبح الحرب مشكلة أكبر من أن تحلها بالقوة؟

عندما تصل الدبلوماسية متأخرة

الدبلوماسية ليست مجرد اجتماعات وصور جماعية وبيانات مشتركة. جوهرها الحقيقي هو القدرة على إبقاء باب التواصل مفتوحًا عندما يبدو إغلاقه أسهل، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الحوار نفسه جزءًا من لعبة القوة.

في المواجهة بين واشنطن وطهران، مثلًا، ما زالت الاتصالات والوساطات حاضرة رغم انهيار مسارات تفاوض سابقة وعودة التصعيد العسكري. وهذا يعني أن الطرفين، مهما بلغت درجة انعدام الثقة بينهما، يعرفان في النهاية أن الحرب لا تستطيع أن تقدّم وحدها صيغة مستقرة للمستقبل.

وفي الملف الروسي – الأوكراني، عادت محاولات التفاوض أيضًا إلى الواجهة بعد فترات من الجمود، فيما تظل الفجوة بين مواقف الأطراف واسعة. وهنا ربما تكمن إحدى حقائق السياسة الدولية: الحرب تستطيع تغيير ميزان القوى، لكنها لا تستطيع إلغاء الحاجة إلى التفاوض.

هل يمكن التفاوض قبل الانفجار؟

المشكلة ليست في وجود الدبلوماسية، بل في توقيتها. فالدبلوماسية التي تصل قبل الحرب تستطيع أن تمنع سقوط الضحايا، وتمنع تدمير المدن، وتمنع تحوّل الخصومة السياسية إلى كراهية اجتماعية يصعب علاجها.

أما الدبلوماسية التي تصل بعد أشهر أو سنوات من القتال، فإن مهمتها تصبح أكثر صعوبة: عليها ألا تنهي إطلاق النار فقط، بل أن تتعامل أيضًا مع الدماء والدمار والحدود الجديدة وذاكرة الخوف، وكل ما خلّفته الحرب وراءها.

لهذا ربما ينبغي أن نسأل أنفسنا: لماذا لا نعطي الدبلوماسية الوقت والموارد والاهتمام نفسه الذي نعطيه للاستعداد للحرب؟ ولماذا نبحث عن الوسطاء عندما تبدأ الصواريخ بالسقوط، بدل أن نبحث عنهم عندما تبدأ لغة التهديد بالارتفاع؟

بين موسكو وواشنطن وبينهما العالم

الحرب في أوكرانيا تقدم مثالًا آخر على تعقيد المسألة، فحتى عندما تستمر العمليات العسكرية، تبقى هناك مصالح اقتصادية وأمنية وسياسية تدفع الخصوم إلى إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة. وقد ظهرت أخيرًا محاولات أميركية – روسية لبحث ملفات اقتصادية وطاقة، بالتوازي مع المساعي السياسية المتعلقة بالحرب.

وقد يبدو هذا الأمر متناقضًا للوهلة الأولى: كيف يمكن لدولتين تختلفان بشدة حول حربٍ ما أن تبحثا في الوقت نفسه عن مصالح مشتركة؟

لكن ربما لا يكون التناقض حقيقيًا، فالدبلوماسية لا تعني أن الخصوم أصبحوا أصدقاء. إنها تعني فقط أنهم أدركوا أن استمرار العداء من دون أي قناة للحوار قد يجعل الوصول إلى التسوية أكثر صعوبة.

السلام ليس لحظة واحدة

ربما ارتكبنا خطأ عندما تصورنا السلام بوصفه لحظة توقيع اتفاق، فالسلام، في الحقيقة، عملية أطول بكثير. يبدأ أحيانًا باتصال هاتفي لا يراه أحد، ثم بلقاء سري، ثم بوساطة طرف ثالث، ثم بوقف محدود لإطلاق النار، ثم بتبادل الأسرى أو فتح ممر إنساني، قبل أن يصل إلى طاولة تفاوض حقيقية.

وقد يفشل كل ذلك. لكن الفشل لا يعني بالضرورة أن الحوار كان خطأ. فالبديل عن الحوار، عندما يغلق تمامًا، هو ترك المجال مفتوحًا أمام منطق القوة وحده.

السؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحًا

لا تستطيع الدبلوماسية أن تضمن السلام دائمًا. ولا تستطيع أن تجعل الخصوم يتخلون فجأة عن مصالحهم أو مخاوفهم أو حساباتهم الاستراتيجية. لكنها تستطيع أن تمنح العالم شيئًا لا تمنحه الحرب: إمكانية التراجع قبل أن يصبح التراجع مستحيلًا.

وربما لهذا لا ينبغي أن ننتظر حتى تصبح الدبلوماسية آخر ما تبقّى من الحرب. ينبغي أن تكون حاضرة قبلها. فالحرب قد تبدأ بقرار واحد، لكنها نادرًا ما تنتهي بقرار واحد. أما السلام، فلا يحتاج فقط إلى شجاعة حمل السلاح، بل إلى شجاعة الاعتراف بأن هناك لحظة يصبح فيها الكلام أكثر قوة من القنابل.

وهنا ربما يكون السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: من سينتصر في الحرب؟ بل: كم كان يمكن إنقاذه لو وصلت الدبلوماسية في الوقت المناسب؟

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *