التخطي إلى المحتوى

سعر لكل زبون!

هب أنك دخلت متجرًا لتشتري علبة “تونة”، لتكتشف الخوارزميات فورًا وجودها في سلتك، فتقوم بتعديل سعر علبة “المايونيز” على الرف الإلكتروني المباشر بالزيادة فورًا.

 

هذا ليس مشهدًا من خيال علمي بل براءة اختراع حقيقية سجلتها شبكات التجزئة الكبرى.

 

فبينما كانت أروقة واشنطن تنشغل بالخلافات السياسية المعتادة، كشفت تحقيقات اقتصادية حديثة ومستندات براءات اختراع عن تحول هيكلي حاد في كيفية تحديد أسعار السلع الاستهلاكية في الأسواق الأمريكية.

 

حيث أظهرت التجارب الميدانية أن شركات التكنولوجيا والتجزئة تجاوزت آليات السوق الحر التقليدية القائمة على العرض والطلب، لتبني نماذج تسعير قائمة على جمع البيانات الشخصية عبر الذكاء الاصطناعي، ما دفع ناشطين اقتصاديين لمطالبة الكونجرس الجديد بتحقيقات موسعة قد تتجاوز الغرامات المالية لتطال الرؤساء التنفيذيين مباشرة.

 

 

كيف أثبتت التجارب الميدانية تفاوت الأسعار للمتسوقين؟

كشفت تجربة أجرتها مؤسسة “جراوند وورك كولابوراتيف” بالتعاون مع “كونسيومر ريبورتس” على منصة “إنستاكارت” عن عرض أسعار مختلفة لـ 74% من السلع، لنفس السلعة وفي المتاجر والتوقيت ذاتهما.  

 

وصل الفارق بين السعر الأدنى والأعلى للسلعة المماثلة إلى 23%، مثل عرض علبة بيض بخمسة أسعار مختلفة تراوحت بين 3.99 و4.79 دولار.  

 

ما “التسعير الشخصي القائم على بيانات المستهلكين”؟

استراتيجية تعتمد على جمع بيانات مستمرة للمستهلكين لتحديد أقصى سعر يمكن دفعه لنفس السلعة. 

 

تُستغل الخوارزميات ونماذج الذكاء الاصطناعي لتغيير أسعار المنتجات تلقائيًا وديناميكيًا بناءً على حالة الطلب والموقع وسجل المشتريات.  

 

هل تقتصر الممارسات على منصات التوصيل أم تمتد للمتاجر التقليدية؟

رُصدت براءات اختراع مسجلة لشركات تجزئة مثل “وول مارت” تتيح تتبع حركة عربات التسوق ونبضات قلب المستهلك، بل وتعديل أسعار الرفوف الإلكترونية استنادًا إلى محتويات سلة المشتري.

 

يمتد استخدام خوارزميات التسعير المتقدمة إلى قطاعات أخرى مثل الطيران، وتأجير العقارات السكنية، وحجز التذاكر، والتأمين.

 

كيف يؤثر التسعير الديناميكي على ميزانية الأسرة؟

يؤدي التذبذب في أسعار السلة الغذائية إلى زيادة التكاليف السنوية للأسرة المكونة من 4 أفراد بمقدار يصل إلى 1200 دولار.  

 

يحرم تباين الأسعار المستهلك من القدرة على مقارنة الأسعار بحيادية والتخطيط المالي المنضبط لميزانيته، ما ينهي العرف السائد تاريخيًا والذي يتضمن دفع جميع المستهلكين سعرًا واحدًا للمنتج نفسه في الوقت ذاته.

 

ما دور الاستحواذات التكنولوجية في تطوير هذه الآليات؟

مكن استحواذ “إنستاكارت” على شركة “إيفرسايت” (Eversight) في عام 2022، من إجراء تجارب تسعير تلقائية ومستمرة على العملاء.  

 

تعمل “إيفرسايت” على أدوات تساعد على تحسين المبيعات والهامش، عبر التسعير الذكي باستخدام عوامل مثل حالة العميل، وقربه من متجر منافس، وسلوكه الشرائي.


 

كيف تتعامل الولايات الأمريكية مع التسعير الخوارزمي حاليًا؟

أقرت ولايات مثل نيويورك قوانين تلزم الشركات بوضع إفصاح صريح للمستهلك يفيد بأن “السعر تم تحديده بواسطة خوارزمية تستخدم بياناتك الشخصية”.  

 

حظرت ولايات أخرى مثل “كونيتيكت” و”ماساشوستس” و”نيوجيرسي” استخدام البيانات الشخصية لتحديد أسعار مخصصة. 

 

ما موقف الهيئات التنظيمية الفيدرالية؟

تعد السلطات أن التمييز السعري الذي لا تبرره فروق التكلفة أو التوزيع يُعد ممارسة غير عادلة أو مضللة للمستهلك.

 

قُدم مشروع قانون “حظر التلاعب بالأسعار بالذكاء الاصطناعي” في الكونجرس لمنع التسعير المخصص القائم على البيانات الشخصية.  

 

ما الذي يريده الجمهور الأمريكي من الاستدعاءات البرلمانية المقبلة؟

تشير استطلاعات الرأي إلى أن مخاوف المواطنين تتركز حول استخدام المليارديرات والشركات الكبرى لنفوذهم المالي للتربح على حساب الأسر.  

 

يطالب الرأي العام بمساءلة الرؤساء التنفيذيين وإخضاعهم للاستجواب المباشر أمام اللجان البرلمانية بدلاً من الاقتصار على السجالات السياسية التقليدية.  

 

لماذا يتم التركيز على مسؤولي الشركات التنفيذيين؟

توضح التحليلات الاقتصادية أن الشركات استغلت اضطرابات سلاسل الإمداد وموجات التضخم لرفع الأسعار بنسب تفوق الارتفاع الفعلي في التكاليف.  

 

أظهرت بيانات أرباح الشركات تصريحات للرؤساء التنفيذيين تؤكد الاستفادة من التضخم لزيادة هوامش الأرباح وإعادة شراء الأسهم، فيما أطلق عليه “تضخم الجشع”.

 

ما أنواع الشركات التي قد تخضع للتحقيق؟

تشمل قائمة الأولويات شركات التكنولوجيا الكبرى، وشركات التأمين الصحي، وشركات النفط والطاقة.  

 

تضم القائمة شركات على رأسها “أوبن إيه آي” و”بالانتير” و”أمازون” و”ماكدونالدز” و”وول مارت”.  

 

 

نهاية المطاف

تشهد الأسواق تحولا هيكليا يعيد تشكيل كيفية تحديد أسعار السلع، حيث استُبدل النموذج التقليدي القائم على التكلفة والعرض والطلب بواسطة أساليب “التسعير الخوارزمي والديناميكي”، ما يتيح استخلاص أقصى قدر ممكن من قدرة الزبون الشرائية.

 

كما تتكشف استراتيجية تعميق الأرباح عبر استغلال الصدمات الاقتصادية وأزمات سلاسل الإمداد والتضخم كغطاء لزيادة الأسعار بنسب تتجاوز الارتفاع الفعلي في التكاليف.

 

وقد سمحت هذه الممارسات بتحقيق هوامش أرباح قياسية تحت مظلة قبول المستهلك العام لارتفاع الأسعار، ما أدى إلى تقليص شفافية السوق وإفقاد المستهلكين القدرة على المقارنة والتخطيط المالي المنضبط.  

 

على أية حال، يبقى السؤال المطروح: إلى أي مدى ستتمكن التشريعات والتنظيمات الحكومية القادمة من فرض الشفافية والحد من استغلال البيانات، أم أن خوارزميات التسعير الديناميكي أصبحت واقعا يصعب الخروج منه في اقتصاد اليوم؟

 

المصادر: أرقام – بلومبرج – جراوند وورك كولابوراتيف – كونسيومر ريبورتس

للمزيد من المقالات

اضغط هنا

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *