التخطي إلى المحتوى

بغداد – تسبب قرار الحكومة العراقية برفع سعر صرف الدولار من 1320 إلى 1520 ديناراً في ارتفاع سريع وملحوظ بأسعار عدد من المواد الغذائية في الأسواق المحلية، وسط تحذيرات من انتقال موجة الغلاء إلى قطاع الأدوية والمستلزمات الطبية، في وقت تنذر فيه التداعيات المتسارعة بإضافة ضغط جديد على المواطنين وفتح جبهة اجتماعية واقتصادية في بلد يواجه أصلاً أزمات متعددة.

وبدأت آثار القرار بالظهور مباشرة في أسعار السلع الأساسية، إذ ارتفع سعر صندوق البيض الذي يضم 12 طبقة من 84 ألف دينار إلى 93 ألفاً، فيما صعد سعر الأرز صنف ‘محمود’ من 65 ألفاً إلى 72 ألفاً، والسكر من 26 ألفاً إلى 30 ألفاً، بينما ارتفع سعر زيت ‘زير’ سعة لتر واحد من 55 ألفاً إلى 60 ألف دينار.

وتكتسب هذه الزيادات أهمية أكبر كونها جاءت فور بدء تطبيق سعر الصرف الجديد، بما يعكس سرعة انتقال أثر القرار النقدي إلى السوق، ولا سيما بالنسبة للسلع المستوردة التي ترتبط كلفتها مباشرة بالدولار. كما أن ارتفاع أسعار بعض المنتجات المحلية لا يعني بالضرورة انفصالها عن تأثير سعر الصرف، في ظل اعتماد قطاعات الإنتاج على مدخلات مستوردة، من الأعلاف والمواد الأولية إلى النقل والتجهيز.

وكان البنك المركزي العراقي قد بدأ، اعتباراً من 7 أكتوبر/تشرين الأول، العمل بالسعر الجديد بناءً على قرار مجلس الوزراء، ليبلغ سعر بيع الدولار للجمهور 1520 ديناراً، مقابل 1510 دنانير للمصارف و1500 دينار لسعر شراء الدولار من وزارة المالية، في تعديل يمثل خفضاً لقيمة الدينار بنحو 15.2 في المئة وفق سعر البيع الرسمي للجمهور.

ومع اتساع انعكاسات القرار، بدأ القلق ينتقل من الأسواق الغذائية إلى قطاعات أكثر حساسية، وفي مقدمتها الأدوية، بعدما حذرت نقابة صيادلة العراق من تداعيات تغيير سعر الصرف على أسعار الأدوية والمستلزمات الطبية والمواد الأولية المستخدمة في صناعتها، مطالبة بالإبقاء على السعر السابق لحوالات استيراد هذه المواد.

ويثير ذلك مخاوف من أن تتجاوز تداعيات القرار الارتفاعات المسجلة في أسعار المواد الغذائية إلى السلع والخدمات المرتبطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالدولار، بما يجعل أثر خفض قيمة الدينار أوسع من مجرد تغير في أسعار الصرف، فالاقتصاد العراقي يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد لتلبية احتياجات السوق، الأمر الذي يجعل أي زيادة في كلفة الدولار قابلة للانتقال إلى حلقات متعددة من النشاط الاقتصادي.

ولا تتوقف خطورة التطورات الحالية عند ارتفاع الأسعار بحد ذاته، وإنما في احتمال تحولها إلى موجة تضخمية متسعة إذا استمرت الأسواق في إعادة تسعير السلع والخدمات وفق السعر الجديد. كما أن حالة عدم اليقين قد تدفع بعض التجار والشركات إلى تأجيل البيع أو انتظار استقرار سعر الصرف، وهو ما يمكن أن يزيد اضطراب السوق ويعزز المضاربات.

وتأتي هذه التطورات في وقت يواجه فيه المواطن العراقي ضغوطاً معيشية واقتصادية متراكمة، ما يجعل أي ارتفاع إضافي في أسعار الغذاء والدواء أكثر حساسية اجتماعياً. ومع تراجع قيمة الدينار، يصبح الحفاظ على القدرة الشرائية للأسر التحدي الأكثر إلحاحاً أمام الحكومة، خصوصاً إذا لم تترافق الخطوة النقدية مع إجراءات واضحة لضبط الأسواق وحماية السلع الأساسية.

ومن هنا، فإن اختبار قرار رفع سعر الصرف لن يقتصر على مؤشرات المالية العامة أو قدرة الدولة على إدارة مواردها، بل سيمتد إلى الشارع والأسواق، حيث ستحدد أسعار الغذاء والدواء والخدمات حجم الكلفة التي سيتحملها المواطن. وفي حال اتسعت موجة الغلاء، فإن القرار قد يتحول من إجراء مالي إلى عامل ضغط اجتماعي جديد، في بلد لا تزال أزماته الاقتصادية والخدمية والسياسية تفرض أعباء متراكمة على المجتمع.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *