بغداد – صوّت مجلس النواب العراقي على تأجيل جدول أعمال جلسة الأربعاء، وتحويلها إلى جلسة مناقشة عامة بشأن قرار رفع سعر صرف الدولار أمام الدينار العراقي، في خطوة تقول السلطات إنها تستهدف تلبية المتطلبات المالية للموازنة وتعزيز الاستقرار المالي، لكنها فتحت في المقابل باباً واسعاً للنقاش داخل البرلمان وبين الأوساط التجارية بشأن انعكاساتها على الأسواق ومعيشة المواطنين.
وبموجب القرار الجديد، أصبح سعر شراء الدولار من وزارة المالية 1500 دينار، وسعر بيعه للمصارف 1510 دنانير، فيما حُدد سعر البيع للجمهور عند 1520 ديناراً، مقارنة بالسعر السابق البالغ نحو 1320 ديناراً للدولار. وأكد البنك المركزي أن احتياطياته الأجنبية كافية لتلبية الطلب على العملة وتمويل التجارة الخارجية.
وقال النائب عزيز ناصر، خلال مؤتمر صحفي عقده في البرلمان، إن أعضاء المجلس ألغوا جدول أعمال الجلسة بعد طلب من رئيس مجلس النواب ونائبيه، لتخصيص جلسة لمناقشة أسباب رفع سعر صرف الدولار وتداعياته.
وأوضح ناصر، أن أعضاء مجلس النواب لا يعلمون طريقة رفع سعر صرف الدولار، وكان يفترض بالبنك المركزي اطلاع المجلس على أسباب القرار وتأثيراته في الأسعار. وأضاف أن “المسؤولية الوطنية والأخلاقية” تقتضي التحفظ على طريقة تغيير سعر صرف الدولار، متسائلاً عن ذنب المواطن تجاه ما يحدث في الاقتصاد وتأثيراته في السوق.
وينعكس القرار بشكل مباشر على القوة الشرائية، فكل ارتفاع في كلفة السلع المستوردة قد يؤثر على ميزانية الأسر، خصوصاً في حال انتقال الزيادة إلى الغذاء والدواء والملابس والأجهزة والسلع الاستهلاكية وغيرها من المنتجات التي تدخل السوق العراقية عبر الاستيراد.
ووثّق مرصد “إيكو عراق” الاقتصادي الأربعاء، ست موجات ارتفاع لافتة لسعر صرف الدولار في السوق الموازية مقابل السعر الرسمي خلال عام 2026، فيما حذرت غرفة تجارة بغداد من الآثار المترتبة على تعديل سعر الصرف على كلف الاستيراد وحركة الأسواق.
وحذّر المرصد من اتساع الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي، وما يترتب عليه من زيادة تكاليف الاستيراد وتراجع القوة الشرائية وانعكاس ذلك على أسعار السلع والخدمات، داعيًا إلى ضبط المضاربات وتعزيز تدفق العملة الأجنبية عبر القنوات الرسمية.
وفي وقت سابق، طالب رئيس كتلة النهج الوطني حسن الأسدي الحكومة بالتراجع عن قرار رفع سعر صرف الدولار وإلغائه سريعاً، محذراً من تداعياته على مختلف شرائح المجتمع.
ويأتي القرار في لحظة شديدة الحساسية للاقتصاد العراقي، إذ لا تقتصر الضغوط على سعر الصرف. فالتوترات الإقليمية والحرب على إيران أثرت في حركة صادرات الطاقة ومسارات الشحن، بينما تواجه بغداد في الوقت نفسه تحديات تتعلق بالإنفاق العام والتمويل والقدرة على الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي.
وأدت اضطرابات الملاحة في المنطقة إلى إجبار بعض شحنات النفط العراقية على البحث عن مسارات بديلة وأكثر كلفة، فيما يحاول المنتجون وشركات الطاقة إيجاد طرق تصدير تتجاوز نقاط الاختناق البحرية. وتظهر التطورات الأخيرة أن أزمة النقل والطاقة لم تعد مسألة أمنية فقط، بل تحولت إلى عامل مالي مباشر بالنسبة إلى الدول المصدرة.
وتزداد حساسية الوضع لأن النفط لا يزال المصدر الأساسي لإيرادات الدولة العراقية؛ وبالتالي فإن أي اضطراب في الكميات المصدرة أو تكاليف نقلها أو أسعار بيعها ينعكس سريعاً على المالية العامة.
وقالت النائبة عن ائتلاف الإعمار والتنمية صبا السعدي، خلال مؤتمر صحفي عقدته في مبنى البرلمان إن ما يشهده سعر صرف الدولار يمثل “نتيجة مباشرة لعجز السياسة المالية والنقدية”، معتبرة أن وزارة المالية والبنك المركزي يتحملان مسؤولية ما وصفته بـ”التخبط الواضح”.
من جهته، أعلن المصرف العراقي للتجارة الأربعاء، المباشرة بمهامه في دعم العملة الوطنية وتعزيز سيولة الدولار للمساهمة في الاستقرار المالي والنقدي في البلاد، من خلال التنسيق المستمر وتوفير السيولة النقدية من العملة الأجنبية لتلبية احتياجات السوق وتمويل مختلف القطاعات.
وأوضح المصرف في بيان رسمي، أن هذه الخطوات تأتي في ظل التطورات الاقتصادية والمالية الراهنة، ما يتطلب تعزيز انسيابية توفير العملة الأجنبية عبر القنوات الرسمية والمصرفية المعتمدة، بما يدعم استقرار السوق ويسهم في تعزيز قوة العملة الوطنية.
ومن الناحية المالية، يتيح رفع سعر الدولار للحكومة الحصول على عدد أكبر من العملة الوطنية مقابل كل دولار تحصل عليه من عائدات النفط. وفي ظل تراجع حجم الإيرادات النفطية، يمكن لهذا الفرق أن يوفر للخزينة مزيداً من الموارد المحلية لتمويل النفقات العامة.
لكن هذا الأثر المالي يأتي بالتوازي مع أثر معاكس على الاقتصاد المحلي. فالعراق يعتمد بصورة كبيرة على الاستيراد لتلبية احتياجات السوق، ما يعني أن ارتفاع سعر الدولار يرفع كلفة شراء السلع والمواد والخدمات المرتبطة بالعملة الأجنبية، وهو ما يمكن أن ينعكس تدريجياً على أسعار المستهلكين.

التعليقات