ستوكهولم ـ أعادت تقارير فنية حديثة تتناول إزالة أكثر من 75 مليون مقطع موسيقي من إحدى المنصات الرقمية تسليط الضوء على التحديات التي تواجه صناعة الموسيقى في عصر الذكاء الاصطناعي، خصوصا مع تزايد المحتوى المُنتج أو المنشور بكميات ضخمة، وما يثيره من تساؤلات حول عدالة التوصيات الرقمية وآليات توزيع العوائد المالية بين أصحاب الحقوق.
وتأتي هذه التطورات في سياق سعي المنصات الموسيقية إلى الحد من المحتوى المزعج والمقاطع التي تُرفع بصورة مكثفة بهدف استغلال أنظمة التوصية أو تحقيق إيرادات من خلال التشغيلات المتكررة وغير الطبيعية.
ويضع هذا التوجه شركات التكنولوجيا أمام مهمة تحقيق التوازن بين إتاحة أدوات الإنتاج الحديثة للمستخدمين، والحفاظ على بيئة رقمية تضمن المنافسة العادلة للفنانين وصناع الموسيقى.
وأتاح تطور أدوات الذكاء الاصطناعي إنتاج مقاطع موسيقية بسرعة وتكلفة أقل مقارنة بالأساليب التقليدية، الأمر الذي وسّع نطاق المشاركة في صناعة المحتوى، لكنه فتح الباب أيضاً أمام نشر كميات كبيرة من الأعمال المتشابهة أو محدودة القيمة الفنية.
وتكمن المشكلة حين يُستخدم هذا الإنتاج المكثف لاستغلال آليات التوزيع الرقمي، بدلا من الوصول إلى الجمهور على أساس الاهتمام الحقيقي بالمحتوى.
وتعتمد المنصات الموسيقية على خوارزميات تقترح الأعمال للمستخدمين وفقا لسلوك الاستماع والتفضيلات الشخصية.
ومع تدفق أعداد هائلة من المقاطع، تزداد صعوبة التمييز بين المحتوى الذي يجذب المستمعين بصورة طبيعية والمحتوى الذي يستهدف التأثير في مؤشرات الانتشار أو العوائد.
وقد يؤدي ذلك إلى تقليص فرص ظهور أعمال لفنانين مستقلين، إذا استحوذت المقاطع المنشورة بكثافة على مساحة أكبر من التوصيات.
لا تتوقف القضية عند حجم المحتوى المحذوف، بل تمتد إلى آليات حماية الملكية الفكرية وتحديد المستفيدين من الإيرادات. فالفنانون والملحنون وكتاب الأغاني والمنتجون يعتمدون على أنظمة توزيع العوائد التي تتأثر، بدرجات متفاوتة، بحجم الاستماع وطبيعة الاتفاقات المبرمة مع المنصات وشركات الإنتاج.
ويثير انتشار الموسيقى المولدة بالذكاء الاصطناعي أسئلة إضافية بشأن استخدام أصوات الفنانين أو محاكاة أساليبهم من دون موافقتهم، فضلا عن تحديد المسؤولية القانونية عند استخدام مواد محمية في تدريب النماذج أو إنتاج أعمال جديدة.
وتختلف الإجابات وفقاً للقوانين المعمول بها وشروط الاستخدام، ما يجعل وضع قواعد واضحة للترخيص والإفصاح والتعويض من الملفات المطروحة أمام القطاع.
وفي المقابل، لا يعني استخدام الذكاء الاصطناعي بالضرورة انتهاك الحقوق أو الإضرار بالفنانين؛ إذ يمكن أن يوفر أدوات مساعدة في التأليف والتوزيع والإنتاج، ويمنح أصحاب الإمكانات المحدودة فرصاً أوسع لتطوير أعمالهم.
ويظل الفارق الأساسي مرتبطا بطريقة الاستخدام، ومدى احترام حقوق الآخرين، وشفافية المنصات في التعامل مع المحتوى والإيرادات.
وتفرض هذه التحولات على المنصات تطوير أنظمة أكثر دقة لرصد التلاعب بالتشغيلات والتوصيات، مع توفير آليات واضحة للاعتراض على قرارات الحذف، حتى لا تتضرر الأعمال الأصلية أو التجارب الفنية المشروعة.
وتبرز الحاجة إلى معايير معلنة لتحديد المحتوى المخالف، وإلى توضيح كيفية التعامل مع الموسيقى المنتجة بمساعدة الذكاء الاصطناعي.
وبين فرص الابتكار ومخاطر الاستغلال، يتوقف مستقبل الموسيقى الرقمية على قدرة الأطراف المعنية على صياغة قواعد تواكب التطور التقني وتحمي الحقوق. ف
ولم يعد التحدي مقتصرا على إنتاج الموسيقى، بل أصبح يشمل ضمان وصولها إلى الجمهور وتوزيع عوائدها بصورة أكثر عدالة وشفافية.

التعليقات