التخطي إلى المحتوى

أصل الحكاية:

يروي ابن رشيق في كتابه “العمدة” أن منزلة الشاعر في الجاهلية كانت أرفع من منزلة الخطيب، حتى اتخذ بعض الشعراء، مثل الأعشى والنابغة الذبياني، الشعر وسيلة للتكسّب، فقصدوا الملوك ونالوا عطاياهم، فكان ذلك، في رأيه، سببًا في تراجع مكانة الشاعر. وتكشف هذه الرواية عن تحوّل مهم في تاريخ الشعر العربي؛ إذ انتقل الشاعر، في بعض الأحوال، من موقع صاحب الرأي والحكمة والمكانة في قومه إلى موقع المدّاح الذي ينتظر العطاء، ويوازن بين موهبته ومصالح راعيه.

ومع نشوء الدولة واتساع أبواب الرعاية، أخذت تتشكل طبقة من الشعراء المحترفين، تتفاوت أحوالهم بتفاوت مواهبهم ومكانة ممدوحيهم. فمنهم من اتصل بالخلفاء وكبار رجال الدولة، ومنهم من لازم الأمراء والولاة، ومنهم من ظلّ بعيدًا عن دوائر النفوذ، يعاني الفقر ويبحث عن وسيلة للعيش. ولم يكن هذا التحول مجرد تبدّل في أحوال الرزق، بل مسّ علاقة الشاعر بفنه ومجتمعه؛ فبعضهم بالغ في المدح والتكسّب، وبعضهم اتخذ الهجاء والسخرية وسيلة لمقاومة التهميش، فيما لجأ آخرون إلى الزهد أو التمرّد على تقاليد الشعر الموروثة.

ومن هنا يمكن فهم جانب من التناقض الذي يبدو في شعر بعض أعلام العصر العباسي؛ فقد يجمع الشاعر بين المدح والتكسّب من جهة، والزهد في الدنيا من جهة أخرى، أو يحاكي القدماء في بعض قصائده، ثم يسخر من طرائقهم في قصائد أخرى. ولم تكن هذه المفارقات بالضرورة تعبيرًا عن تناقض نفسي فحسب، بل كانت، في جانب منها، استجابة لظروف اجتماعية جعلت الشاعر ممزقًا بين مقتضيات العيش وحرية الإبداع.

حظوظ الشعراء ومفارقات الشهرة:

لا تتناسب الشهرة الأدبية دائمًا مع مقدار الموهبة؛ فقد يذيع صيت شاعر، بينما يظل شاعر آخر، لا يقل عنه جودة، بعيدًا عن الأنظار. وقد أحاطت عناية الرواة والنقاد بأسماء مثل: امرئ القيس وزهير والأعشى والنابغة وعنترة وطرفة، كما حظي حسان بن ثابت والخنساء بمكانة بارزة، في حين تأخر الاهتمام بشعراء آخرين، منهم المتلمس الضبعي وعلباء بن أرقم وقراد بن حنش وحميد بن ثور الهلالي وسحيم، وعدد من شعراء هذيل.

وظل بعض هؤلاء بعيدين عن دائرة الاهتمام الواسع حتى أعاد دارسو الأدب النظر في نتاجهم، كما حدث مع ابن الرومي، الذي نال عناية متزايدة على أيدي نقاد وباحثين، منهم عبد الرحمن شكري والمازني والعقاد وكامل الكيلاني ومحمد شريف سليم، إلى جانب المستشرق المجري جرمانوس.

وتدل هذه الأمثلة على أن الحضور في تاريخ الأدب لا يتوقف على جودة الشعر وحدها؛ إذ تتداخل فيه عوامل الرواية والحفظ والذيوع، فضلًا عن المكانة الاجتماعية والظروف التي أحاطت بالشاعر. وقد يكون الفقر والتهميش من أسباب انحسار شهرة بعض الشعراء، وإن لم يكن ذلك حكمًا عامًا على جميع من غاب ذكرهم.

الكُدْية.. مهنة السؤال في حياة الشعراء:

تُطلق الكُدْية على حرفة السؤال والإلحاح في طلب العطاء، وقد ارتبطت في التراث العربي بطائفة من الشعراء الذين ضاقت بهم سبل العيش، فاتخذوا من الشعر والهجاء والطُّرفة وسائل لاستدرار المال. وهي تختلف، في الصورة التي يعرضها التراث، عن الصعلكة التي ارتبطت لدى بعض أصحابها بالمغامرة والغزو والخروج على أعراف الجماعة؛ فالصعلوك قد يأخذ بالقوة، أما المكدي فيمد يده بالسؤال، مستعينًا بلسانه وذكائه وما يستطيع أن يصنعه من هجاء أو فكاهة.

وقد تعددت الألفاظ التي عبّرت عن هذه الظاهرة، فشاعت إلى جانب الكُدْية كلمات مثل: الشحاذة والتسوّل والاستجداء. 

ولم تكن حياة هؤلاء الشعراء سهلة؛ فقد تداخل فيها الجوع والتشرّد والحرمان، وأصبح التطواف بين الناس بحثًا عن الرزق جزءًا من يومهم. وقد عبّر بعضهم عن ذلك بقوله:

لقد عدوتُ خَلْقَ الثيابِ    معلّقَ الزنبيلِ والجرابِ  

طَبًّا بدقِّ حَلْقِ الأبوابِ    أُسمعُ ذاتَ الخدرِ والحجابِ.

وتكشف هذه الأبيات عن حركة المكدي اليومية، وعن أدواته البسيطة التي يحملها في رحلته، كما تكشف عن الفارق بينه وبين أصحاب المكانة الذين تُفتح لهم الأبواب من غير سؤال أو عناء.

أبو الشمقمق.. شاعر الفقر والسخرية:

يبرز أبو الشمقمق، مروان بن محمد، الذي عاش بين عامي 112 و200هـ، في مقدمة الشعراء الذين جعلوا من الكُدْية والهجاء والسخرية ملامح بارزة في تجربتهم. وقد عُرف بخفة الروح وسرعة البديهة، كما عُرف بحدة لسانه وتبرمه من الناس، وكان يرى في حظه العاثر سببًا في حرمانه مما ناله شعراء عصره من أموال وهبات.

وتروي كتب الأدب أنه لما بلغه أن بشار بن برد نال عشرة آلاف درهم من عقبة بن سلم، جاءه ساخرًا، وأنشد أبياتًا تهجوه، منها:

إن بشار بن برد     تيسٌ أعمى في سفينة.

فخشي بشار أن يتناقل الصبيان هذا الهجاء، فأعطاه مائتي درهم كي يكفّ عن ترديده. وتذكر الرواية أن أبا الشمقمق جعل يراجعه في العطاء، حتى صار يطالبه به كل عام، فيجيبه بشار متبرمًا: “أجُزية هي؟”، فيرد أبو الشمقمق بأنها كذلك.

وتُظهر هذه الحكاية كيف استطاع الشاعر أن يحوّل هجاءه إلى وسيلة للرزق، مستفيدًا من أثر الكلمة وسرعة انتشارها. غير أن هذه الحيلة لا تحجب الوجه الآخر من حياته؛ فقد كان اضطراره إلى استجداء المال من أقرانه انعكاسًا لمفارقة اجتماعية، إذ قد يمتلك الشاعر موهبة معتبرة، لكنه يظل محرومًا من أسباب الاستقرار والعيش الكريم.

بيت بلا أبواب.. وفقر يتحدث بلغة الفن:

من أشهر ما نُسب إلى أبي الشمقمق قصيدته التي يصوّر فيها مسكنه العاري، ويحوّل افتقاره إلى البيت إلى مفارقة ساخرة:

برزتُ من المنازل والقبابِ      فلم يعسرْ عليَّ أحدٌ حجابي  

فمنزلي الفضاءُ وسقفُ بيتي   سماءُ الله أو قطعُ السحابِ  

فأنت إذا أردتَ دخلتَ بيتي     عليَّ مسلّمًا من غير بابِ  

لأنّي لم أجد مصراعَ بابٍ     يكون من السحاب إلى الترابِ.

ثم يمضي في تعداد ما يراه من مزايا هذا الحرمان، فيقول إنه لا يخشى هروب العبيد، ولا هلاك الدواب، ولا يحتاج إلى قهرمان يحاسبه على النفقات. ويختم هذا التصوير بقوله:

وفي ذا راحةٌ وفراغُ بالٍ   فدأبُ الدهرِ ذا أبدًا ودأبي.

إن المفارقة هنا هي جوهر التجربة؛ فالشاعر لا يملك بيتًا يحميه، لكنه يصوغ انعدام البيت في هيئة حرية لا يقيّدها باب ولا يحرسها حاجب. ولا يملك عبيدًا أو دواب، فيحوّل افتقاره إلى هذه الممتلكات إلى خلاص من هموم أصحابها. غير أن القارئ يدرك، خلف هذا الرضا المعلن، مرارة إنسان حُرم أبسط مقومات الاستقرار، فاستعاض عن الشكوى المباشرة بالسخرية.

وتبلغ هذه السخرية مداها في قصيدته التي يصوّر فيها خلو بيته من الطعام، حتى غادرت الفئران المكان، وضاقت القطة المقيمة فيه بغياب الفرائس، فقال:

فأرى الفأرَ قد تجنّبن بيتي     عائذاتٍ منه بدار الإمارةِ  

ودعا بالرحيل ذبّانُ بيتي     بين مقصوصةٍ إلى طيّارةِ.

فالبيت الذي خلا من القوت لم يعد صالحًا حتى للفئران والذباب، وغدا أشبه بمكان مهجور. وفي هذا المشهد تتجاوز السخرية حدود الطرفة لتكشف عن قسوة الفقر، حين يصبح خلو البيت من الطعام علامة على اختلال الحياة كلها.

بين الجوع وكرامة الشاعر:

لم يكن فقر أبي الشمقمق شأنًا شخصيًا معزولًا؛ فقد انعكس أيضًا على صورة الأسرة التي يعجز عن توفير قوتها. ويظهر ذلك في الأبيات التي يشكو فيها حال أطفاله مع اقتراب عيد الفطر:

وقد دنا الفطرُ وصبيانُنا     ليسوا بذي تمرٍ ولا أرزِ  

وذاك أن الدهرَ عاداهُمُ      عداوةَ الشاهينِ للوزِّ.

هنا تتراجع الفكاهة أمام وجع الأب الذي لا يجد ما يقدمه لأطفاله. فالجوع ليس صورة بلاغية فحسب، بل تجربة يومية تضغط على كرامة الإنسان وتكشف عجزه عن الوفاء بأبسط مسؤولياته. ومن ثم تكتسب سخرية أبي الشمقمق دلالتها الأعمق؛ فهي ليست خفة عابرة، بل وسيلة لمواجهة واقع لا يملك تغييره.

وقد اختلف النقاد في تقدير شعره. فرأى بعضهم أن فيه ضعفًا وهزلًا وإفراطًا في الهجاء، بينما تنبه آخرون إلى ما يشتمل عليه من نوادر وصور مبتكرة. ونُقل عن ابن المعتز قوله: “وشعر أبي الشمقمق نوادر كله”، كما وصفه ابن عبد ربه في العقد الفريد بقوله: ” أديب ظريف، محارف وصعلوك متبرم”.

وعلى الرغم من تفاوت مستوى شعره، فإن قيمته تتجلى في قدرته على تصوير حياة الفقراء والمهمشين، وفي ابتكار صور تستمد قوتها من تفاصيل الحياة اليومية، لا من الموضوعات التقليدية وحدها. لقد جعل من البيت الخالي، والخبز المفقود، والملابس المهلهلة، موضوعات شعرية تكشف عن عالم قلما احتل مكانًا بارزًا في مدائح البلاط وقصائد الترف.

ختاما:

تكمن أهمية أبي الشمقمق في أنه لم يكتف بتسجيل فقره، بل حوّله إلى تجربة شعرية تتداخل فيها المرارة والفكاهة، والشكوى والمفارقة، والانكسار والمقاومة. وقد لا يكون شعره كله على درجة واحدة من الجودة، لكن بعض صوره تجاوز حدود عصره بقدرته على جعل التفاصيل الصغيرة مرآةً لأحوال اجتماعية واسعة.ؤ

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *