التخطي إلى المحتوى

طرابلس – أعادت موافقة مجلس النواب الليبي المتمركز في شرق البلاد، من حيث المبدأ على استقالة محافظ المصرف المركزي ناجي عيسى وطرح تكليف عضو مجلس الإدارة فوزي مصباح أبوخزام بتسيير مهامه مؤقتاً، الخلافات حول المؤسسات السيادية إلى الواجهة، وسط انقسام في المواقف بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، ومخاوف من تجدد الصراع على إدارة أهم مؤسسة مالية في البلاد.

وقال المتحدث باسم مجلس النواب عبدالله بليحق إن المجلس يؤيد تكليف أبوخزام بتسيير مهام المحافظ مؤقتاً، مشيراً إلى أن استقالة عيسى ستُبحث خلال جلسة مقبلة. وكان عيسى قد قدم استقالته في أغسطس/اب الماضي إلى مجلسي النواب والأعلى للدولة، من دون توضيح أسبابها، قبل أن يوصي المجلسان ببقائه في منصبه إلى حين مناقشة الأمر.

لكن التطورات كشفت عن تباين واضح داخل المؤسسات السياسية الليبية، فقد رفض النائب الأول لرئيس المجلس الأعلى للدولة، ناجي مختار علي، ما وصفه بالإجراءات الأحادية التي اتخذتها رئاسة مجلس النواب، وطالب عيسى بالاستمرار في أداء مهامه، بينما عارض رئيس المجلس محمد تكالة موقف نائبه، ودعا أبوخزام إلى تولي المسؤولية مؤقتاً، إلى حين التوافق مع مجلس النواب على تسمية محافظ جديد.

ويشير هذا التباين إلى أن الخلاف لا يقتصر على شرعية استقالة المحافظ أو آلية اختيار خلف له، بل يمتد إلى قواعد إدارة المؤسسات السيادية في بلد لم ينجح بعد في توحيد سلطاته، فالمصرف المركزي ليس مجرد جهاز مالي، بل يمثل محوراً لتدفق الإيرادات النفطية وإدارة الاحتياطيات والإنفاق العام، ما يجعل السيطرة على قيادته مسألة تتجاوز التعيينات الإدارية إلى موازين النفوذ السياسي.

وتولى عيسى منصبه في عام 2024 بعد توافق مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة على تعيينه، في خطوة هدفت إلى إنهاء حالة الجمود بشأن إدارة المصرف المركزي. ويثير احتمال مغادرته الآن مخاوف من عودة التنافس بين الأطراف الليبية، خصوصاً إذا تعذر التوصل إلى اتفاق مشترك على المحافظ الجديد، أو حاول أحد المعسكرين فرض تعيين لا يحظى بقبول الطرف الآخر.

وتزداد المخاوف مع إعلان المصرف المركزي استنكاره دخول قوة وأطراف أخرى إلى مقره وانتهاك حرمة مكتب المحافظ في غيابه. وحمّل المصرف الجهات المشاركة المسؤولية عن التداعيات، وخص وزارة الدفاع بالمسؤولية عن حماية المقر وتأمينه. ولم يقدم البيان تفاصيل بشأن الواقعة، لكنه يعكس حساسية أمن المؤسسة واستقلالها عن التجاذبات السياسية والعسكرية.

وفي تطور منفصل، حاول رجال ملثمون يرتدون الزي العسكري اقتحام مقر ديوان المحاسبة في طرابلس، في واقعة وصفتها بعثة الأمم المتحدة لدى ليبيا بأنها محاولة مرفوضة لتنصيب أحد كبار الموظفين بالقوة. ويعزز تزامن هذه الأحداث المخاوف من اتساع الضغوط على المؤسسات الرقابية والمالية، وتحول الخلافات بشأن قياداتها إلى مواجهات على الأرض.

وتتمثل خطورة التطورات في أن المصرف المركزي يمثل إحدى المؤسسات القليلة التي يتوقف عليها انتظام الإيرادات العامة والإنفاق في بلد يعتمد بدرجة كبيرة على النفط. وأي خلاف بشأن شرعية قيادته قد يفتح الباب أمام ازدواجية القرارات المالية أو تعطيل التوافق على إدارة الموارد، بما ينعكس على السيولة والإنفاق العام وثقة المؤسسات الاقتصادية.

كما أن تزامن الخلاف على المحافظ مع محاولة فرض تعيين داخل ديوان المحاسبة يثير تساؤلات بشأن قدرة المؤسسات السيادية على مقاومة التدخلات المسلحة. وقد حذرت بعثة الأمم المتحدة من أن فرض التعيينات بالقوة يهدد سيادة القانون واستقلال المؤسسات، داعية إلى حل النزاعات عبر القنوات القانونية والمؤسسية.

وتبقى الخطوة المقبلة مرهونة بقدرة مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة على التوصل إلى صيغة توافقية بشأن قيادة المصرف، فتكليف أبوخزام مؤقتاً، حتى إن حظي بدعم بعض الأطراف، لا يضمن إنهاء الخلاف ما لم يستند إلى اتفاق سياسي واضح وإجراءات تحظى بقبول المؤسسات المعنية.

وتكشف الأزمة، في جوهرها، أن الانقسام الليبي لم يعد محصوراً في التنافس بين سلطتين في الشرق والغرب، بل بات يهدد آليات إدارة المؤسسات التي يفترض أن تبقى بمنأى عن الصراع. وإذا تحولت الخلافات بشأن التعيينات إلى تحركات ميدانية وضغوط مسلحة، فقد تجد البلاد نفسها أمام جولة جديدة من التنافس على الموارد والنفوذ، بما يضعف فرص توحيد المؤسسات ويزيد هشاشة الاستقرار الاقتصادي.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *