الرباط – تعهدت رئيسة الحكومة المغربية، فاطمة الزهراء المنصوري بمحاربة الفساد وتضارب المصالح، رافضة الانتقادات التي طالت حكومتها على خلفية إعفاء الوزيرة الاستقلالية مديحة خيير، معتبرة أن القرار يعكس “جرأة سياسية” لا ارتباكًا في تدبير الشأن الحكومي.
وفي أولى رسائلها السياسية أمام مجلس المستشارين، الأربعاء، سعت المنصوري إلى تقديم صورة حكومة تريد الجمع بين تشديد الرقابة على المال العام، وتحفيز الاستثمار، والاستجابة للانتظارات الاجتماعية، في وقت تواجه فيه تحدي إثبات قدرتها على تحويل التعهدات إلى نتائج ملموسة.
وأكدت أن حكومتها لن تقبل بإغناء المقربين من السلطة على حساب بقية المواطنين، مشددة على أن محاربة الفساد وتضارب المصالح يمثلان جزءًا من هويتها السياسية. وبررت إعفاء الوزيرة بظهور معطيات ووثائق أثارت شبهات بشأن قدرتها على تدبير المال العام، موضحة أنها طلبت من العاهل المغربي الملك محمد السادس اعفاءها، وأنه تجاوب مع طلبها في وقت وجيز.
وحاولت رئيسة الحكومة المغربية من خلال هذا الموقف، احتواء الانتقادات التي رأت في إعفاء الوزيرة مؤشرًا على ارتباك داخل الأغلبية، وتحويل القرار إلى دليل على استعداد الحكومة للتدخل حين تظهر شبهات تمس المسؤولية العامة، غير أن الرهان الحقيقي لا يتعلق بتبرير حالة بعينها، بل بمدى قدرة الحكومة على إرساء قواعد واضحة وموحدة لتدبير تضارب المصالح، بما يضمن عدم اقتصار المساءلة على حالات محددة، ويمنع تحوّل محاربة الفساد إلى مجرد تعهد سياسي.
وفي الجانب الاقتصادي، شددت المنصوري على أن الحكومة لا تريد إغناء الأغنياء وإفقار الفقراء، مؤكدة دعمها تبسيط المساطر (الإجراءات) الإدارية وتغيير نظام التراخيص وتشجيع المقاولات، باعتبارها محركًا لخلق فرص العمل وتحقيق التنمية. كما دافعت عن استثمار أحد الوزراء في بلاده، معتبرة أن الاستثمار الوطني أمر إيجابي، لكن الاستفادة من الصفة الوزارية لتحقيق منافع خاصة أمر مرفوض.
وتكشف هذه التصريحات عن محاولة للجمع بين رسالتين: طمأنة المستثمرين إلى أن الحكومة ستعمل على إزالة العراقيل أمام المبادرة الاقتصادية، وتأكيد أن القرب من السلطة لا ينبغي أن يتحول إلى امتياز تجاري أو وسيلة لتحقيق الأرباح، لكن نجاح هذا التوجه سيظل مرتبطًا بوجود ضمانات عملية للفصل بين المسؤولية السياسية والمصالح الاقتصادية، وبمدى انعكاس تبسيط الإجراءات على المقاولات الصغيرة والمتوسطة وفرص الشغل، بدل اقتصار منافعه على الفاعلين الأكثر قدرة على الوصول إلى مراكز القرار.
اجتماعيًا، أكدت المنصوري أن البرنامج الحكومي انطلق من الإنصات للمواطنين وليس من دراسات مكتبية أو أدوات الذكاء الاصطناعي، مشيرة إلى أوضاع المسنين الذين يعيشون في ظروف صعبة، وإلى عزم الحكومة إصلاح نظام التقاعد ورفع نسبة النشاط الاقتصادي للنساء إلى 21.2 في المئة. كما شددت على توافر الموارد البشرية والمالية والاستقرار اللازم لتحقيق طموحات المغرب التنموية.
وتضع هذه الأولويات الحكومة أمام معادلة صعبة، تتمثل في تمويل الالتزامات الاجتماعية بالتوازي مع إصلاح أنظمة تواجه ضغوطًا مالية وديموغرافية، وتحسين مشاركة النساء في سوق العمل، وتوسيع فرص التشغيل، فالإنصات إلى المواطنين يمنح البرنامج الحكومي أساسًا سياسيًا، لكنه لا يكفي وحده لإثبات نجاعته ما لم تُترجم الوعود إلى إجراءات محددة وآجال تنفيذ واضحة ومؤشرات قابلة للقياس.
وفي ما يتعلق بالمسار المؤسساتي، أوضحت المنصوري أن ما عرضته الحكومة هو تصريح بالنوايا، وليس البرنامج الحكومي أو مشروع قانون المالية، مشيرة إلى أن مشروع قانون المالية أُودع لدى البرلمان، وأن الحكومة لا تريد إهدار سنة مالية قبل الشروع في تنفيذ التزاماتها. كما دافعت عن الطابع السياسي للحكومة، معتبرة أن مكوناتها راكمت تجارب حزبية ونضالية، وأن الديمقراطية ليست مجرد شعار بالنسبة إليها.
وربطت تعزيز المشاركة الانتخابية التي بلغت 38 في المئة، بترسيخ الأخلاق في الممارسة السياسية، في إقرار ضمني بأن استعادة ثقة المواطنين لا تتحقق بالخطاب وحده. ويبدو أن رئيسة الحكومة تريد جعل محاربة الفساد مدخلًا لاستعادة المصداقية وتحفيز الاستثمار أداة لخلق الثروة والإصلاح الاجتماعي معيارًا لقياس أثر السياسات العامة.
لكن الاختبار الأساسي أمام حكومتها سيبدأ عند الانتقال من التعهدات إلى التنفيذ، فالتشديد على النزاهة يقتضي معايير شفافة للمساءلة، والوعد بتحسين القدرة الاقتصادية والاجتماعية يتطلب نتائج يشعر بها المواطنون في التشغيل والدخل والخدمات. وبين الطموح السياسي والواقع اليومي، ستُقاس مصداقية الحكومة بقدرتها على إثبات أن محاربة الفساد ليست موقفًا ظرفيًا، وأن التنمية التي تعد بها لا تقتصر ثمارها على فئات دون أخرى.

التعليقات