في منتصف سبتمبر الماضي، نشرت وكالة فارس المقرّبة من الحرس الثوري مقطعًا يعلن بدء عمل “منظومة علاج للرصد والاستخبارات”، وتناقلته صحيفة ‘همشهري’ التابعة لبلدية طهران وموقع ‘مشرق نيوز’ المقرّب من الأجهزة الأمنية. وتعلن المنظومة أن هدفها “التعرف على الخونة المقيمين في الخارج ومعاقبتهم”، وتشمل بهم الانفصاليين ومروّجي العقوبات والهجوم العسكري، وتتوعدهم بسلب امتيازات المواطنة وقطع الوصول المالي والإعلامي، وتدعو المواطنين إلى الإبلاغ عنهم عبر موقعها وتطبيق ‘تيليغرام’ وتطبيق ‘بله'(BALE) الإيراني، مع ضمان بقاء هويات المبلّغين سرية تمامًا ومشفّرة.
هنا نقرأ النظام الإيراني وهو يعرّف نفسه، فالمعارض الإيراني داء يحتاج إلى “علاج”، والمنظومة تَعِد المخبر بإخفاء هويته، فيما تُشهّر بمن يستهدفه. وبحسب موقع ‘إيران واير’، تنشر المنصة أسماء المستهدفين وصورهم وأرقامهم الوطنية وأسماء آبائهم، وتزعم رصد ألف وستمئة شخص، جاءت أسماء ستمئة منهم من بلاغات الناس. إنها دعوة إلى تحويل الإيرانيين في المهجر إلى مراقبين بعضهم على بعض، وإبقاء من خرجوا من قبضة النظام داخل دائرة خوفه.
هذه ليست تفصيلة في سجل القمع، وإنما شاهد على أن نظام الملالي يرى في مهاجريه جبهة يعاملها بأدوات الحرب، ففي شوارع لندن وبرلين وتورونتو ولوس أنجلوس يعيش إيرانيون خرجوا من نطاق قبضته المباشرة، ويحاول إعادتهم إلى سلطان الخوف. وفي تقديري أن هنا تكمن المفارقة، فالنظام الإيراني الذي يملأ الدنيا ضجيجًا عن مواجهة “الاستكبار العالمي” يخوض معركة مع شعب إيران الذي اختار الحرية.
ولسنا بحاجة إلى التخمين، ففي يونيو الماضي، نقلت صحيفة ‘ميزان’ التابعة للسلطة القضائية عن رئيسها في محافظة أصفهان، أسد الله جعفري، أن حجز أملاك المغتربين يجعل تجمعاتهم أمام السفارات في أوروبا وأمريكا “أفرغ وأضعف وأكثر يأسًا”.
ثم أعلنت في سبتمبر حجز مئتين وأربعين من الممتلكات والأصول، منها مئة وثلاثة وأربعون في طهران، وتجميد مئة واثنين وثمانين حسابًا مصرفيًا. وشملت الإجراءات ممتلكات لصحفيين في ‘إيران إنترناشونال’ و’منوتو’ وناشطين مقيمين في الخارج، بتهمة “الدعاية لصالح حكومات معادية”. هكذا يتكلم النظام بلغته الحقيقية، فمقياس النجاح عنده إسكات مواطنيه في الخارج، والقاضي الذي يتباهى بإفراغ ساحات التظاهر في أوروبا يصف عملية ردع تُدار بأدوات المحاكم.
ومن يتتبع السنوات الأخيرة يجد منظومة استخبارية للنظام الإيراني تتعدد أدواتها والهدف واحد، فقد استُدرج الصحفي روح الله زم إلى العراق عام 2019، ونُقل إلى إيران وأُعدم بعد عام، واستُدرج حبيب شعب، المقيم في السويد، إلى تركيا عام 2020، ونُقل إلى إيران وأُعدم عام 2023، وخُطف جمشيد شارمهد، المقيم في كاليفورنيا، أثناء سفره عام 2020، ثم أعلنت طهران إعدامه في أكتوبر 2024، فردّت ألمانيا بإغلاق القنصليات الإيرانية الثلاث.
وفي يوليو الماضي، سجن القضاء البريطاني رجلين رومانيين لطعنهما الإعلامي بوريا زراعتي في لندن، وأكدت القاضية يقينها بأن الهجوم نُفّذ لصالح قوة أجنبية وخدمةً لها. والرسالة التي تحملها هذه الوقائع إلى المعارض الإيراني أن إقامته خارج إيران لا تكفي وحدها ليشعر بالأمان.
وبموازاة العنف، يستغل النظام الإيراني ثقة المعارضين الإيرانيين بمعارفهم لاختراق أجهزتهم، ففي الخامس عشر من سبتمبر الماضي، حذّرت بريطانيا والولايات المتحدة وهولندا من برنامج تجسس إيراني يبدأ بانتحال صفة الأصدقاء على تطبيقات المراسلة، ثم يُزرع في الحواسيب ليسرق الرسائل ويشغّل الميكروفون. وهكذا يحاول الوصول إلى ما لا تتيحه له المراقبة المباشرة، من أحاديث خاصة وصلات بالداخل ومعلومات قد تجعل آخرين عرضة للضغط.
أما حجز البيوت وتجميد الحسابات، فيحوّل أسر المعارضين الإيرانيين إلى رهائن صامتة، ويجعل حرية الإيراني في الخارج مكلفة على أهله في الداخل. لا يعود البيت هنا ملكية خاصة فحسب، بل وسيلة لإخضاع صاحبه، وتصبح صلته بأهله منفذًا لابتزازه.
والنظام الإيراني لا يحتاج إلى إسكات الجميع بالقوة المباشرة إذا استطاع أن يجعل بعضهم يراجع كل كلمة خشية أن يدفع قريب له ثمنها، فيفرض المعارض الإيراني الرقابة على نفسه، ويؤدي الخوف ما كانت تحتاج الأجهزة إلى فرضه.
غير أن الوشاية أشد هذه الأدوات خطرًا على الثقة داخل الجالية الإيرانية، لأنها لا تستهدف المعارض وحده، وإنما تستهدف النسيج الذي يربطه بالآخرين، فالاغتيال يقتل فردًا، أما زرع الشك فيضرب مجتمعًا كاملًا. وحين تزعم منصة ‘علاج’ الاستخبارية أن أكثر من ثلث المستهدفين جاءت أسماؤهم من بلاغات الناس، فرسالتها أن الخطر قد يكون جارك أو زميلك.
وتثقل الرسالة حين يقرأ الإيراني في لندن عن محاكمة ثلاثة من أبناء جاليته، بدأت في السادس من أكتوبر، بتهمة رصد صحفيين في منصة ‘إيران إنترناشونال’ تمهيدًا لاستهدافهم، بحسب الادعاء، وهي تهم أنكروها، لكن احتمال الاختراق لا يعني أن المحيط كله مخترق، وهذا ما يريد النظام الإيراني أن ينساه الناس، فغايته رفع كلفة الثقة حتى يصبح التنظيم مرهقًا، والاجتماع مخاطرة، وكل مبادرة موضع ريبة.
ولو كان المهجر بلا أثر لما استحق هذا الجهد، فمهاجروه من الجالية الإيرانية يملكون إعلامًا يصل إلى البيوت رغم الحجب، وصلات بالداخل تتجاوز رقابته، وقدرة على مخاطبة حكومات العالم بلغتها. وهم يثبتون بحضورهم أن مغادرة البلاد لا تعني الانسحاب من شأنها العام، وأن النظام الإيراني يستطيع منع صحيفة أو اعتقال متظاهر في الداخل، لكنه لا يستطيع احتكار ما يقوله الإيرانيون عن بلادهم خارج حدوده. ولذلك، فإن القدرة على إيذاء المعارض الإيراني شيء، والقدرة على إقناعه شيء آخر.
والمطلوب أن تتعامل الدول المضيفة مع هذا القمع العابر للحدود بوصفه تهديدًا لأمنها القومي، لا ملفًا للجوء، وأن تقرن ملاحقة شبكات التنفيذ والتمويل بحماية المستهدفين من أدوات الابتزاز التي تسبق العنف أو تغني عنه، فحماية الصحفي لا تكتمل إذا أمِن طريقه إلى العمل وبقي أهله وسيلة لتهديده، ولا تكفي حماية مقر مؤسسة إعلامية إذا ظل العاملون فيها عرضة لجمع بياناتهم والتشهير بهم.
والمطلوب كذلك تعطيل قنوات منظومة إيرانية تعلن أنها استخباراتية وتدعو إلى جمع المعلومات عن مقيمين في الخارج، وإغلاق ما تستخدمه لهذا الغرض على المنصات العالمية، فحماية المستهدفين تقتضي تعطيل أدوات رصدهم أيضًا. وكلما اطمأن المعارض الإيراني إلى أن التهديد سيجد استجابة جدية، ضاقت قدرة النظام على عزله وإقناعه بأن الصمت هو طريق النجاة الوحيد.
والمطلوب أن يدرك الإيرانيون أن من يحجز بيوتهم ويخطف إخوتهم وينشر صورهم على منصات الوشاية يجلس في طهران لا في عواصم الجوار، وأن النظام يكسب كلما تحولت خلافاتهم، فيما بينهم أو مع جيرانهم، إلى خصومات تستنزف قدرتهم على مواجهته، فكل عداء يُصرف إلى الجار جهد يُقتطع من معركتهم مع من يلاحقهم.
إن من يحجز بيتًا في طهران ليُسكت لافتة في برلين يعترف بأن مغادرة الإيراني حدود بلاده لم تُنهِ قدرته على التأثير فيها. وهذه مفارقة النظام الإيراني، فهو قوي بأجهزته، خائف في شرعيته، يملك أن يؤذي ولا يملك أن يُقنع. وفي تقديري أن منصة ‘علاج’ ليست منصة لمعالجة المهجر، بل عَرَض لمرض النظام نفسه، والخوف الذي تصدّره طهران انعكاس للخوف الذي يسكنها.

التعليقات