التخطي إلى المحتوى

الشارقة – أطلقت هيئة البيئة والمحميات الطبيعية بالشارقة 15 سلحفاة بحرية من نوع منقار الصقر إلى بيئتها الطبيعية، بعد استكمال مراحل الرعاية الطبية وإعادة التأهيل، وذلك خلال فعالية اختتام حملة “رحلة صون الطبيعة: اكتشف محمية القرم”، التي استضافها منتزه خور كلباء لأشجار القرم، في خطوة تجمع بين حماية الحياة الفطرية وتطوير البحث العلمي وتعزيز الوعي البيئي.

وشهدت الفعالية، التي أقيمت في 21 أكتوبر، حضور الشيخ هيثم بن صقر القاسمي، نائب رئيس مكتب الحاكم في مدينة كلباء والشيخ فاهم القاسمي، رئيس دائرة العلاقات الحكومية، وعائشة راشد ديماس، رئيسة هيئة البيئة والمحميات الطبيعية بالشارقة، وحصة عبدالله حميد الشامسي، مديرة الهيئة، إلى جانب ممثلين عن المؤسسات الأكاديمية والبحثية والشركاء والمتخصصين في الحفاظ على الحياة البحرية.

ولم يقتصر الحدث على إعادة السلاحف إلى موائلها الطبيعية، بل شكل مناسبة لاستعراض منظومة عمل تجمع بين التدخل الميداني والرعاية المتخصصة والدراسات العلمية، وتستهدف تعزيز قدرة الجهات المعنية على التعامل مع التحديات التي تواجه الكائنات البحرية والبيئات الساحلية في الإمارة.

من الإنقاذ إلى المعرفة العلمية

وتبرز أهمية هذه الجهود في برنامج الشارقة للاستجابة لجنوح الحياة البحرية، الذي تأسس عام 2015، ويشكل أحد المسارات الرئيسية للتعامل مع الكائنات البحرية التي تتعرض للإصابات أو الجنوح، من خلال أربعة محاور تشمل البحث العلمي، والرصد طويل الأمد، والإنقاذ وإعادة التأهيل، والتوعية البيئية.

ويمتد عمل البرنامج إلى ما هو أبعد من إنقاذ الحيوانات المصابة، إذ يشمل السلاحف والثعابين والطيور البحرية، فضلاً عن الثدييات البحرية، مثل الدلافين والحيتان. وتعمل الفرق المختصة على تقييم الحالات وتحديد احتياجاتها الصحية وتوفير الرعاية المناسبة، وصولاً إلى اتخاذ قرار إعادة الكائنات المتعافية إلى بيئاتها الطبيعية متى سمحت حالتها بذلك.

ويكتسب هذا النهج أهمية إضافية من خلال توثيق حالات الجنوح وتسجيل أنواع الكائنات التي يتم العثور عليها وأوضاعها الصحية ونتائج التدخلات العلاجية. وتوفر هذه البيانات قاعدة معرفية تساعد الباحثين على رصد المخاطر المتكررة وفهم أسباب الإصابات والنفوق، بما يدعم تطوير إجراءات الاستجابة والحماية.

وتشمل أبرز التحديات التي ترصدها هذه الجهود ابتلاع المخلفات البلاستيكية، والتلوث الكيميائي وتراكم المعادن الثقيلة، والتشابك مع معدات الصيد، والاصطدام بالقوارب. ويتيح الربط بين الإنقاذ وجمع البيانات تحويل الحالات الفردية إلى مؤشرات علمية يمكن الاستفادة منها في تقييم التهديدات التي تواجه التنوع البيولوجي البحري.

إعادة التأهيل ومتابعة الحياة في البحر

وشكل إطلاق السلاحف الخمس عشرة أبرز محطات الفعالية، بعدما خضعت للرعاية الطبية والمتابعة الدورية والتأهيل، مع تقييم حالاتها الصحية والتأكد من جاهزيتها للعودة إلى الطبيعة بإشراف الفرق البيطرية والمتخصصة.

واستعرضت الهيئة مراحل التعامل مع الإصابات التي تتطلب تدخلاً متخصصاً، بما فيها إصابات الزعانف، والجهود اللازمة لضمان تعافي السلاحف قبل إطلاقها. وتعكس هذه العملية أهمية توفير رعاية متكاملة لا تتوقف عند إنقاذ الكائن البحري، بل تمتد إلى استعادة قدرته على مواصلة حياته في موائله الطبيعية.

وتدعم تقنيات التتبع العلمي هذه الجهود من خلال جمع معلومات عن تحركات السلاحف بعد إطلاقها، ومسارات هجرتها، والمناطق التي تستخدمها للتغذية والراحة. وتساعد هذه البيانات الباحثين على فهم علاقتها بالموائل البحرية وتحديد المناطق التي تتطلب اهتماماً أكبر بإجراءات الحماية.

وتؤدي السلاحف البحرية دوراً في الحفاظ على التوازن البيئي، ضمن النظم الطبيعية التي تشمل الأعشاب البحرية والشعاب المرجانية، ما يجعل حمايتها جزءاً من جهود أوسع لصون البيئة البحرية واستدامة مواردها.

شراكات أكاديمية تدعم حماية البيئة

وإلى جانب العمل الميداني، أتاحت الفعالية مساحة لعرض الدراسات والمشروعات البحثية التي تنفذها الهيئة بالتعاون مع مؤسسات أكاديمية، بما يعزز تبادل الخبرات والاستفادة من نتائج الأبحاث في تطوير ممارسات الحفاظ على الحياة البحرية.

وشملت المعارض العلمية والتوعوية محطات تعريفية بالسلاحف والثعابين والطيور البحرية والدلافين والحيتان، إلى جانب عينات ومواد بصرية توضح خصائص هذه الكائنات، والتهديدات التي تواجهها، وطرق التعامل مع حالات الجنوح وإعادة التأهيل.

كما استعرضت الهيئة دراسات مشتركة مع مركز الشارقة لأبحاث علوم البحار بجامعة خورفكان، تناولت التعرف على السلاحف البحرية وتمييزها من خلال الأنماط المميزة لحراشف الوجه. وشملت المشاركات أيضاً أبحاثاً بالتعاون مع الجامعة الأميركية في الشارقة حول الجسيمات البلاستيكية الدقيقة والملوثات الكيميائية وتأثيراتها على الحياة البحرية.

وتعكس هذه الشراكات توجهاً نحو توسيع دور المؤسسات البحثية في دعم أعمال الرصد الميداني، وتطوير المعرفة المتعلقة بمصادر التلوث وتأثيراتها، وتوظيف النتائج العلمية في تحسين إجراءات الحماية. كما تتيح مشاركة المؤسسات الأكاديمية والمتخصصين بناء قنوات تعاون تربط البحث بالتطبيق العملي.

خور كلباء نموذج للتوعية وصون الموائل

واحتضن منتزه خور كلباء لأشجار القرم فعاليات الحملة، بما يمثله من بيئة طبيعية تدعم الحياة الفطرية والتنوع البيولوجي، وتوفر مساحة للتعريف بأهمية حماية الموائل الساحلية. وشملت الأنشطة جولات على المعارض العلمية والمصورة التي أبرزت البيئات الطبيعية في الشارقة والجهود المبذولة لصونها.

وأكدت عائشة راشد ديماس أن حماية الحياة البحرية والتنوع البيولوجي تستند إلى رؤية الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، واهتمامه بالمحميات الطبيعية واستدامة الموائل، مشيرة إلى أن إطلاق السلاحف يجسد جانباً من العمل المتواصل للهيئة في الإنقاذ والتأهيل والرصد.

وأضافت أن تكامل الجهود بين الجهات البيئية والمؤسسات الأكاديمية والشركاء يمثل ركيزة أساسية لتطوير برامج الحماية وتعزيز الوعي المجتمعي.

وتقدم الحملة، في محصلتها، نموذجاً لربط المبادرات البيئية بالبحث العلمي والتوعية العامة، إذ تتكامل إعادة تأهيل الكائنات البحرية مع دراسة المخاطر التي تهددها وتطوير وسائل التعامل معها. ويمنح هذا التكامل جهود الشارقة بعداً يتجاوز الفعاليات التوعوية المؤقتة، نحو بناء معرفة تدعم حماية الحياة البحرية واستدامة موائلها للأجيال المقبلة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *