طرابلس – أعاد اقتحام عناصر مسلحة مقر ديوان المحاسبة في العاصمة الليبية طرابلس، الأربعاء، لتمكين وكيل من تولي منصبه وسط خلافات بشأن قانونية تعيينه، تسليط الضوء على هشاشة الأوضاع الأمنية والمؤسسية في الغرب الليبي، الخاضع لسلطة حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبدالحميد الدبيبة، وعلى استمرار نفوذ الجماعات المسلحة في فرض وقائع داخل مؤسسات الدولة، في حادثة انفلات واستعراض قوة أدانتها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، محذرة من تداعيات استخدام القوة لفرض تعيينات داخل المؤسسات السيادية.
وأظهرت مشاهد تداولتها وسائل إعلام ليبية وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي دخول مسلحين إلى مقر الديوان في منطقة الظهرة، فيما نقلت بوابة ‘الوسط’ عن مصدر من داخل المؤسسة أن التحرك استهدف تمكين وكيل من منصبه دون سند قانوني. ولم تتضح الجهة المسؤولة عن الاقتحام، كما لم يصدر تعليق رسمي عن الديوان بشأن الواقعة.
وتتجاوز خطورة الحادثة الخلاف حول تعيين مسؤول إداري، بالنظر إلى طبيعة المؤسسة المستهدفة، إذ يتولى ديوان المحاسبة مراقبة الإنفاق العام وتدقيق أداء الجهات الحكومية. ومن ثم، فإن اقتحام مقره بالسلاح يثير تساؤلات بشأن قدرة الأجهزة الرقابية على أداء مهامها باستقلالية، بعيداً عن الضغوط السياسية وموازين القوة التي تفرضها التشكيلات المسلحة.
ونددت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا باستخدام القوة والترهيب داخل مقر الديوان، وطالبت بوقف التدخل المسلح وانسحاب العناصر المسلحة، داعية الأطراف المعنية إلى تسوية الخلافات المتعلقة بالتعيينات عبر القنوات القانونية والمؤسسية، وبما يتوافق مع التشريعات الليبية ومبادئ الاتفاق السياسي.
ويعكس الموقف الأممي مخاوف من أن يؤدي انتقال الصراعات على المناصب والنفوذ إلى داخل المؤسسات السيادية إلى إضعاف ما تبقى من استقلاليتها، فضلاً عن تقويض ثقة المواطنين في أجهزة الرقابة والمساءلة، فحين تصبح القوة المسلحة وسيلة لحسم خلاف إداري أو قانوني، تتراجع قدرة المؤسسات على فرض قراراتها استناداً إلى التشريعات، وتتحول الإجراءات الرسمية إلى ساحة إضافية للتنافس بين مراكز النفوذ.
أزمات متكررة تكشف عجزاً أمنياً
ولا تأتي حادثة ديوان المحاسبة بمعزل عن سجل الاضطرابات التي شهدتها طرابلس ومدن غرب ليبيا خلال السنوات الأخيرة، إذ تتكرر المواجهات بين مجموعات مسلحة تتنافس على النفوذ والمواقع الأمنية والموارد، رغم خضوع كثير من هذه التشكيلات لوزارات وأجهزة تابعة لحكومة الدبيبة.
وفي مايو/ايار 2025، اندلعت اشتباكات دامية في العاصمة عقب مقتل قائد جهاز دعم الاستقرار عبداللطيف قدور، المعروف باسم غنيوة الككلي، وفق ما أوردته تقارير إعلامية عن الحادثة، قبل أن تتوسع المواجهات بين مجموعات مسلحة متنافسة. وأدت الاشتباكات حينها إلى سقوط قتلى، وتعطلت الحركة في مناطق من المدينة، فيما خرج محتجون مطالبين باستقالة الدبيبة ومحاسبة المسؤولين عن تدهور الوضع الأمني. وأعادت تلك الأحداث طرح التساؤلات بشأن قدرة الحكومة على إخضاع التشكيلات المسلحة لقيادة موحدة.
كما شهدت مناطق في غرب ليبيا، بينها الزاوية ومحيط طرابلس، مواجهات متكررة خلال عامي 2025 و2026، في سياق تنافس الجماعات المسلحة على النفوذ ومواقع السيطرة. ويشير تقرير أممي صدر في أبريل/نيسان الماضي إلى استمرار التوترات بين مجموعات مسلحة في المنطقة الغربية، وتصاعد الاحتكاكات المرتبطة بالتنافس بين القوى المحسوبة على طرابلس ومجموعات من الزاوية ومناطق أخرى.
مؤسسات الدولة رهينة موازين السلاح
وتكشف هذه الوقائع عن مأزق يتجاوز قدرة السلطات على احتواء حادث أمني بعينه، فالتحدي الأساسي يتمثل في استمرار وجود مراكز قوة مسلحة قادرة على التأثير في قرارات الدولة وفرض شروطها عند نشوب الخلافات. كما أن تكرار الاضطرابات، رغم الوعود باستعادة هيبة المؤسسات، يضع فعالية السياسات الأمنية الحكومية موضع تساؤل.
ويمثل اقتحام ديوان المحاسبة مؤشراً مقلقاً، لأن الخطر لم يعد مقتصراً على الاشتباكات في الشوارع أو التنافس على مناطق النفوذ، بل امتد إلى مؤسسة يفترض أن تكون محمية بالقانون، وأن تؤدي دورها الرقابي بعيداً عن التجاذبات السياسية والأمنية.
وبينما يظل تحديد المسؤولية عن الاقتحام والتحقيق في ملابساته أمراً ضرورياً، فإن معالجة تداعياته تتطلب ضمان استقلال المؤسسات الرقابية، ومحاسبة المتورطين، ومنع استخدام السلاح لفرض التعيينات والقرارات، فاستمرار هذه الحوادث يعزز الانطباع بأن حكومة الدبيبة لم تتمكن من إنهاء نفوذ التشكيلات المسلحة أو إرساء احتكار الدولة لاستخدام القوة، وأن الاستقرار في غرب ليبيا لا يزال هشاً وقابلاً للاهتزاز كلما تجدد الصراع على السلطة والنفوذ.

التعليقات