روما – أقرت الحكومة الإيطالية برئاسة جورجا ميلوني حزمة إجراءات أمنية أكثر صرامة لمواجهة أعمال الشغب والتخريب، في خطوة جاءت عقب اضطرابات شهدتها مدن شمال البلاد، وبالتزامن مع تصاعد الاحتجاجات في فرنسا وانتقال تداعياتها إلى عواصم أوروبية أخرى.
وتعكس الإجراءات توجهاً نحو تشديد الردع القانوني وتوسيع صلاحيات الشرطة، وسط جدل بشأن قدرة المقاربة الأمنية على احتواء الغضب الاجتماعي المتصل بارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الآفاق الاقتصادية لدى شرائح من السكان.
وتتضمن الحزمة، التي تدخل حيز التنفيذ فوراً، تجريم أعمال العنف المرتكبة خلال المظاهرات، وفرض عقوبات بالسجن تصل إلى خمس سنوات وغرامات تبلغ 20 ألف يورو على المشاركين في مجموعات تضم خمسة أشخاص على الأقل، إذا عرضوا السلامة العامة للخطر. كما تشتد العقوبات في حالات إخفاء الوجه أو التسبب في إصابات، وتُمنح السلطات صلاحيات للمطالبة بتعويضات فورية عن الأضرار، مع تحميل أولياء أمور القاصرين مسؤولية مالية عن أعمال التخريب التي يرتكبها أبناؤهم.
وتذهب الإجراءات إلى توسيع صلاحيات الشرطة في التعامل مع القاصرين، إذ تسمح باحتجاز شبان تتراوح أعمارهم بين 14 و17 عاماً حتى في غياب ارتكاب جريمة، إذا توافرت أدلة على أنهم يشكلون خطراً. ويثير هذا التدبير أسئلة بشأن حدود التوازن بين الوقاية من العنف وضمان الحقوق القانونية، خصوصاً أن تقدير الخطورة قبل وقوع الجريمة قد يفتح المجال أمام تطبيق واسع للصلاحيات الأمنية.
وبررت ميلوني هذه الإجراءات بالفصل بين الاحتجاج المشروع والجريمة، معتبرة أن التخريب والسرقة لا يمثلان شكلاً من أشكال التعبير السياسي. وأعلنت الحكومة كذلك نشر 500 جندي إضافي في ميلانو إلى جانب الشرطة حتى نهاية عام 2026، لتعزيز حماية المواقع الرئيسية والمنشآت الحساسة ومراقبة المنطقة، تحسباً لاضطرابات جديدة خلال مظاهرات مقررة السبت.
وتأتي الخطوة الإيطالية في سياق أوروبي يتسم بتزايد القلق من انتقال عدوى الاحتجاجات بين الدول، بعدما شهدت فرنسا اضطرابات واسعة شارك فيها مئات الآلاف. ويمنح التقارب الزمني والجغرافي بين أحداث فرنسا وإيطاليا انطباعاً بوجود مناخ احتجاجي عابر للحدود، وإن كان لا يثبت أن التحركات تنطلق من دوافع موحدة أو أن أحداث بلد واحد تسببت مباشرة في اضطرابات الآخر، فالمظاهرات قد تتشابه في مشاهد العنف، بينما تختلف أسبابها السياسية والاجتماعية من دولة إلى أخرى.
وتواجه حكومة ميلوني ضغوطاً لا تقتصر على اضطرابات الشمال؛ ففي جنوب إيطاليا، احتج سائقو الشاحنات على ارتفاع أسعار الديزل وتكاليف المعيشة، وأقاموا حواجز عطلت سلاسل الإمداد، ما دفع بعض مصانع المعكرونة إلى وقف الإنتاج، وأثار مخاوف من تلف المنتجات الزراعية. ووعدت الحكومة بمساعدات جديدة لقطاع النقل البري عقب محادثات مع ممثليه.
وتكشف هذه التطورات عن مفارقة تواجه الحكومة، فبينما تسعى إلى فرض النظام وردع التخريب، تتسع الاحتجاجات المرتبطة بأعباء المعيشة وانعدام الآفاق الاقتصادية. كما أن ارتفاع عدد السجناء في إيطاليا بأكثر من 17 في المئة خلال أربع سنوات، وفق البيانات الحكومية، يثير تساؤلات بشأن مدى قدرة التشديد العقابي وحده على معالجة أسباب الجريمة والاضطراب.
وتزداد حساسية المشهد مع اقتراب الانتخابات العامة المقررة في 2027، إذ يصبح الأمن والقدرة الشرائية عنصرين متداخلين في اختبار أداء الحكومة. وقد يمنح التشدد ميلوني فرصة لإظهار الحزم، لكنه لا يضمن احتواء الاحتجاجات ما دامت أسبابها الاقتصادية قائمة، فالتحدي الإيطالي لا يتمثل فقط في منع الشغب، بل في تجنب تحول الإجراءات الأمنية إلى بديل عن معالجة الضغوط الاجتماعية التي تغذي الغضب في إيطاليا ودول أوروبية أخرى.

التعليقات