أربيل – وجّه رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني انتقادات حادة إلى مقاطعي جلسات برلمان الإقليم، واصفاً موقفهم بأنه “هروب من المسؤولية وخيانة لأصوات شعب كردستان”، في تصعيد يعكس عمق الخلافات السياسية التي تعطل تشكيل الحكومة الجديدة، وتثير تساؤلات بشأن قدرة القوى الكردية على تجاوز انقساماتها في مرحلة تتزايد فيها الضغوط الاقتصادية والأمنية على الإقليم، بينما تشير انتقاداته إلى محاولات لإحياء البرلمان المعطل وكسر الجمود السياسي.
ودعا إلى إعادة تفعيل البرلمان باعتبار ذلك واجباً وطنياً يقع على عاتق النواب المنتخبين، مؤكداً أن المؤسسة التشريعية هي المكان الطبيعي لمناقشة المشاريع السياسية وإدارة الحوار بين الأطراف المختلفة. كما أعرب عن أمله في أن يشكل استئناف أعمال البرلمان خطوة تمهد لتشكيل الحكومة المقبلة، وتتيح استعادة المؤسسات دورها التشريعي والرقابي.
وتتجاوز دلالة تصريحات بارزاني التذكير بأهمية انتظام عمل البرلمان، إذ تنطوي على رسالة سياسية مباشرة إلى القوى التي تعرقل استئناف جلساته، وفي مقدمتها الاتحاد الوطني الكردستاني، مفادها أن استمرار التعطيل لم يعد مجرد خلاف على توزيع المناصب أو آليات إدارة السلطة، بل بات، وفق خطاب رئيس الحكومة، مسألة تتصل بالمسؤولية أمام الناخبين.
ويكشف استخدام مسرور بارزاني تعبيرات حادة من قبيل “خيانة الأصوات” عن تصاعد الضغوط السياسية، ومحاولة تحميل الطرف المقاطع كلفة استمرار الانسداد أمام الرأي العام.
لكن هذه اللهجة لا تكفي وحدها للجزم بوجود انقسام جديد داخل الحزب الديمقراطي الكردستاني أو خلافات بين قياداته؛ فالمعطيات المعلنة تشير أساساً إلى استمرار التباعد بين الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني، لا إلى شرخ داخلي مؤكد في الحزب الأول. ومع ذلك، فإن اضطرار بارزاني إلى التشديد علناً على استعداد حزبه للاجتماع مع الاتحاد الوطني، وإشارته إلى تأجيل لقاء كان مقرراً، يوحيان بأن قنوات التفاهم لم تنجح حتى الآن في إنتاج تسوية تفتح الطريق أمام تشكيل الحكومة.
وأعاد رئيس حكومة الاقليم التأكيد على أن الحزب الديمقراطي الكردستاني مستعد للاجتماع في أي وقت، قائلاً إنه ينتظر استعداد الطرف الآخر، من دون تحديد أسباب تأجيل اللقاء السابق. وتكتسب هذه الدعوة أهمية في ضوء نتائج انتخابات 20 أكتوبر/تشرين الأول 2024، التي منحت الحزب الديمقراطي 39 مقعداً، مقابل 23 مقعداً للاتحاد الوطني، من أصل 100 مقعد. ورغم تقدم الحزب الديمقراطي، فإن تشكيل حكومة مستقرة يتطلب معالجة الخلافات بين القوتين الرئيسيتين، والتوافق على إدارة مؤسسات الإقليم وتوزيع المسؤوليات.
وبعد الجلسة الافتتاحية للبرلمان في 2 ديسمبر/كانون الأول 2024 وأداء النواب اليمين الدستورية، حالت الخلافات دون انتخاب هيئة الرئاسة واستئناف العمل التشريعي والرقابي بصورة طبيعية. ويعني استمرار هذا التعطيل أن الإقليم يواجه صعوبة في بناء سلطة تنفيذية جديدة تستند إلى توافق سياسي واضح، في وقت يحتاج فيه إلى مؤسسات فاعلة لمعالجة أزماته المتراكمة.
وتبرز هنا خطورة الانسداد السياسي، إذ يتزامن مع أزمة الرواتب وتأخر تسوية الخلافات المالية مع الحكومة الاتحادية في بغداد، فضلاً عن النزاعات بشأن الصلاحيات والموارد. كما يواجه الإقليم تهديدات أمنية ناجمة عن هجمات إيرانية وهجمات تنفذها جماعات مسلحة مرتبطة بطهران من حين إلى آخر، ما يجعل تماسك الجبهة الداخلية عاملاً مهماً في تعزيز قدرته على حماية أمنه ومصالحه.
ولا تعني هذه التحديات أن الخلافات السياسية ستقود حتماً إلى انهيار مؤسسات الإقليم، لكنها ترفع كلفة استمرارها، وتحد من قدرة القوى الكردية على التفاوض مع بغداد من موقع موحد. كما أن تعطيل البرلمان يضعف الرقابة على الأداء الحكومي، ويؤخر اتخاذ القرارات التي تمس الحياة اليومية للسكان.
وتبدو تصريحات بارزاني محاولة لكسر الجمود عبر رفع الكلفة السياسية للمقاطعة، لكنها تكشف في الوقت نفسه محدودية التقدم نحو التسوية، فاستعادة البرلمان لدوره وتشكيل الحكومة لن يتحققا بمجرد تبادل الاتهامات، بل يتطلبان تفاهمات عملية بين الحزبين الرئيسيين، تفصل الخلاف على النفوذ عن الملفات المعيشية والأمنية الملحة. وكلما طال الانسداد، ازدادت المخاطر على الاستقرار الداخلي، وتراجعت قدرة الإقليم على التعامل مع أزماته المتزامنة.

التعليقات