التخطي إلى المحتوى

ليست شحنة المتفجرات التي ضبطتها الأجهزة الأمنية اللبنانية في ضهر البيدر مجرّد قضية أمنية تنتظر نتائج التحقيق، بل تحوّلت إلى اختبار سياسي وقانوني يتجاوز مكان ضبطها والجهة التي أعلنت ملكيتها، فالمسألة الأساسية لم تعد محصورة في مصير الشحنة، بل باتت تتصل بالسؤال الذي يرافق لبنان منذ سنوات: هل تستطيع الدولة أن تجعل قراراتها نافذة على جميع الأراضي اللبنانية، أم تبقى سلطتها رهينة توازنات القوى الداخلية وحسابات الأطراف الخارجية؟

تكمن أهمية القضية في تزامنها مع مساعٍ حكومية لتعزيز سلطة المؤسسات الشرعية، واستعدادات لمحادثات عسكرية في الولايات المتحدة، ونقاش متجدد حول مستقبل الوجود الدولي في الجنوب. وهذه المسارات، وإن بدت منفصلة في ظاهرها، تلتقي عند معادلة واحدة: لا يمكن بناء استقرار مستدام في لبنان من دون دولة قادرة على فرض القانون، ولا يمكن مطالبة هذه الدولة بتحمّل مسؤولياتها الأمنية فيما يستمر الاحتلال الإسرائيلي وتبقى الاعتداءات تهدد أراضيها وسكانها.

من ضبط الشحنة إلى اختبار المؤسسات

يشكّل ضبط المتفجرات فرصة لإثبات فاعلية الأجهزة الأمنية، لكنه لا يكفي وحده لإعلان استعادة الدولة سلطتها، فالاختبار الحقيقي يبدأ بعد المصادرة: تحقيق قضائي مستقل وتحديد واضح لمسؤوليات الناقلين والمنظمين والمموّلين، ومحاسبة كل من تثبت مشاركته وفق القانون، بعيدًا عن أي تدخل أو مساومة سياسية.

وقد اكتسبت القضية بُعدًا إضافيًا بعدما أعلن نواب من حزب الله في البرلمان اللبناني أن الشحنة تعود إلى الحزب، وطالبوا بإعادتها والإفراج عن الموقوفين، موضحين أنها كانت مخصصة لمواجهة القوات الإسرائيلية. وهذا التبرير، بصرف النظر عن تقييم دوافعه، لا يحسم السؤال القانوني المتعلق بحق أي جهة مسلحة في نقل المتفجرات داخل البلاد خارج الأطر التي تقررها السلطات المختصة.

السيادة لا تتجزأ

يواجه لبنان هنا معادلة دقيقة. فمن جهة، لا يمكن بناء دولة مستقرة إذا امتلكت قوى خارج مؤسساتها الشرعية حق تقرير استخدام السلاح ونقله وتحديد أهدافه بصورة مستقلة. ومن جهة أخرى، لا يمكن فصل النقاش حول حصرية السلاح عن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في أجزاء من الأراضي اللبنانية والاعتداءات التي تستهدف مناطق لبنانية.

وقد ربط حزب الله موقفه من سلاحه بمواجهة إسرائيل، فيما تتمسك الدولة بحقها في استعادة القرار الأمني إلى مؤسساتها. غير أن تحويل هذا الخلاف إلى مواجهة داخلية مفتوحة لن يقدّم حلًا، بل قد يضعف المؤسسات التي يُفترض أن تتولى معالجة المسألة.

المطلوب، لذلك، ليس المفاضلة بين سيادة الدولة وحق لبنان في الدفاع عن أرضه، بل تحديد الوسائل القانونية والمؤسسية التي تتيح حماية البلاد من دون إبقاء قرار الحرب والسلم خارج إطارها الدستوري. فالدولة القادرة على حماية حدودها ومواطنيها هي وحدها القادرة على تحويل الدفاع عن الأرض إلى سياسة وطنية، لا إلى قرار تتنازع عليه مراكز قوة متعددة.

تزداد أهمية هذا الاختبار مع التحضيرات للمحادثات العسكرية المرتقبة في تامبا، حيث يُنتظر أن يطرح الجانب اللبناني وقف الهجمات الإسرائيلية، بالتوازي مع البحث في ترتيبات أمنية وانسحاب إسرائيلي تدريجي.

ولا يمكن فصل نجاح أي تفاهم عن توافر ضمانات متبادلة وقابلة للتحقق، فمن غير الواقعي مطالبة لبنان بتطبيق التزاماته الأمنية فيما يبقى الانسحاب الإسرائيلي مؤجلًا إلى أجل غير محدد، كما أن إنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي وحده لا يضمن استقرارًا دائمًا إذا لم تتمكن الدولة اللبنانية من بسط سلطتها على المناطق المعنية.

وهكذا، فإن أي ترتيب قابل للحياة ينبغي أن يحدّد مسؤوليات الأطراف بوضوح، وأن يتضمن آليات للمتابعة والتحقق، وأفقًا ملموسًا لإنهاء الاحتلال ووقف الاعتداءات، بالتوازي مع تعزيز حضور الجيش اللبناني وقدرته على حماية الحدود والسكان. فالأمن لا يُبنى على وعود مفتوحة، ولا على إجراءات أحادية لا تخضع لأي ضمانات.

الدعم الدولي ليس بديلًا من القرار الوطني

في هذا السياق، تكتسب التحركات الفرنسية والأوروبية أهمية خاصة، ولا سيما مع اقتراب انتهاء مهمة “اليونيفيل” والبحث في صيغة الحضور الدولي في المرحلة التالية. وقد عبّر مسؤولون لبنانيون عن خشيتهم من نشوء فراغ أمني، فيما يبقى مستقبل أي دور أوروبي مرتبطًا بالتوافقات الدولية، بما فيها الموقف الأميركي.

لكن وجود قوات دولية، مهما بلغت أهميته، لا يستطيع أن يحل محل الدولة اللبنانية، فالدعم الخارجي يكون أكثر فاعلية حين يستند إلى مؤسسات وطنية موحدة، وقرار سياسي واضح، وخطة قابلة للتنفيذ. أما إذا تحوّل لبنان إلى ساحة لتنافس العواصم على شكل الحضور العسكري وحدوده، فإن تعدد المبادرات قد يصبح مصدرًا إضافيًا للضغوط بدل أن يكون ضمانة للاستقرار.

وينطبق الأمر نفسه على المساعدات العسكرية والأمنية، فهذه المساعدات تحتاج إلى مؤسسات قادرة على استخدامها ضمن استراتيجية وطنية، فيما تحتاج الإصلاحات الاقتصادية إلى بيئة مستقرة وثقة داخلية وخارجية. ولا يمكن فصل استعادة السيادة عن استعادة قدرة الدولة على الحكم والإصلاح وتوفير الخدمات.

الامتحان الحقيقي يبدأ الآن

قدّمت قضية المتفجرات فرصة للدولة اللبنانية لإثبات أن قراراتها ليست مجرد نصوص سياسية، غير أن نجاح هذا الاختبار لن يُقاس بحدة التصريحات أو بحجم الضغوط، بل بما ستسفر عنه التحقيقات، وبمدى استقلال القضاء، وبقدرة المؤسسات على تطبيق القانون من دون انتقائية.

كما أن السيادة لا تُستعاد بمواجهة طرف داخلي وحده، ولا تُصان بإغفال الاعتداءات الخارجية. إنها منظومة متكاملة تبدأ باحتكار الدولة قرار استخدام القوة، وتمتد إلى حماية الحدود، وإنهاء الاحتلال، وضمان المساءلة، وبناء علاقات دولية تقوم على احترام القرار الوطني.

في النهاية، لا يحتاج لبنان إلى انتصار إعلامي جديد بقدر ما يحتاج إلى قاعدة ثابتة تحكم الجميع: لا سلاح خارج القانون، ولا اعتداء على سيادته بلا مساءلة، ولا تسوية أمنية تجعل استقراره رهينة إرادة الآخرين.

ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه الأيام المقبلة: هل تستطيع الدولة تحويل هذه القضية من محطة عابرة في صراع النفوذ إلى خطوة ثابتة على طريق استعادة سلطتها؟

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *