في أوقات الحروب، لا تكتفي الأنظمة السياسية بتعبئة الجيوش، بل تسعى إلى تعبئة المجتمع أيضا، مستثمرة الخطر الخارجي لتعزيز تماسك الجبهة الداخلية وترميم شرعيتها. وفي إيران، تطرح التظاهرات المناهضة للحرب الأميركية الإسرائيلية سؤالا يتجاوز الموقف من الهجمات: هل توظف الجمهورية الإسلامية المشاعر الوطنية لتعويض تراجع فاعلية خطابها الديني في استقطاب قطاعات من المجتمع، أم أن ما يجري يعكس تداخلا حقيقيا بين الدفاع عن الوطن والالتفاف حول الدولة في مواجهة تهديد خارجي؟
لا تكمن خصوصية الحالة الإيرانية في الانتقال من الدين إلى الوطنية، وكأنهما نقيضان منفصلان، بل في التنافس بين تصورين للهوية الإيرانية: تصور ثوري ديني يجعل حماية الجمهورية الإسلامية امتدادا للدفاع عن إيران، وتصور وطني أوسع يستند إلى تاريخ البلاد وسيادتها، ولا يشترط الولاء للمؤسسة الحاكمة.
منذ عام 1979، بنت الجمهورية الإسلامية شرعيتها على ولاية الفقيه والثورة ومقاومة النفوذ الأميركي، لكنها لم تستطع الاستغناء عن الهوية الوطنية، حتى خلال الحرب العراقية الإيرانية، حين استخدمت طهران مفردات التاريخ الإيراني والدفاع عن الأرض بالتوازي مع مفاهيم الشهادة والتضحية الدينية. وهذا يعني أن الوطنية ليست أداة اكتشفها النظام اليوم، بل رصيد قديم يحاول استثماره مجددا في ظروف تختلف عن ظروف تأسيس الجمهورية الإسلامية.
غير أن التحولات الاجتماعية والاحتجاجات المتعاقبة كشفت عن حدود قدرة الخطاب الديني الرسمي على استقطاب المجتمع بأكمله. وتزداد أهمية هذا التحدي حين تتباين نظرة قطاعات من الإيرانيين إلى أولويات السلطة الإقليمية، أو إلى العلاقة بين الإنفاق على النفوذ الخارجي ومعالجة المشكلات الداخلية لذلك، قد تتيح الوطنية للنظام مخاطبة شرائح لا تتبنى مشروعه العقائدي، لكنها ترفض الهجمات على بلادها.
هنا تحديدا تصبح المقارنة مع صدام حسين وحافظ الأسد ومعمر القذافي أكثر دلالة، بشرط ألا تتحول إلى مساواة تاريخية مبسطة.
في العراق، استخدم نظام صدام حسين القومية العربية خلال الحرب مع إيران، واستدعى معركة القادسية القديمة لتأطير المواجهة ضمن رواية تاريخية عربية في مواجهة الفرس. والمفارقة أن النظام الإيراني نفسه استخدم الهوية الوطنية الإيرانية لمقاومة هذا التأطير، جامعا بين الرموز التاريخية والتعبئة الإسلامية. وهكذا لم يكن النزاع مجرد مواجهة بين دولتين، بل صراعا على تعريف الهوية التي تمنح الحرب معناها السياسي.
أما في سوريا، فقد ارتبطت شرعية حكم حافظ الأسد بالقومية العربية وخطاب مواجهة إسرائيل. وكانت وظيفة هذا الخطاب تقديم النظام بوصفه ركيزة للاستقرار والمقاومة الإقليمية، بما يربط مكانة الدولة الخارجية بشرعية السلطة الداخلية، لكن امتلاك خطاب المقاومة لا يعني بالضرورة أن النظام يحتكر الوطنية أو يمثل جميع تطلعات المجتمع السوري.
وفي ليبيا، اتخذت التعبئة مسارا مختلفا؛ إذ استند القذافي إلى شرعية ثورية وشخصية، وقدم نفسه قائدا لمشروع سياسي يتجاوز المؤسسات التقليدية للدولة. وهنا برزت مشكلة أخرى: تحويل الثورة والقيادة إلى مصدر للشرعية يصعب فصله عن شخص الحاكم، بدل بناء علاقة مستقرة بين المواطنين ومؤسسات الدولة.
أما إيران، فتختلف عن الحالات الثلاث بوجود مؤسسة دينية دستورية، وحرس ثوري وباسيج يؤديان أدوارا عسكرية وأمنية وتعبوية، فضلا عن مرجعية ثورية تتداخل فيها العقيدة الدينية مع مفهوم السيادة. ولذلك لا يقتصر التحدي الإيراني على استخدام الوطنية لتثبيت الحكم، بل يشمل أيضا محاولة السلطة الحفاظ على تعريفها الخاص للوطن، في مجتمع قد تتسع فيه المسافة بين الهوية الإيرانية والهوية التي تريد الجمهورية الإسلامية ترسيخها.
وتتجسد هذه المعادلة بوضوح في حملة “جانفدا” التي أطلقتها السلطات الإيرانية خلال عام 2026، في سياق تصاعد المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، فالحملة لا تقرأ بوصفها مجرد دعوة إلى الاستعداد للدفاع عن البلاد، بل باعتبارها محاولة سياسية لتوسيع دائرة التعبئة من القاعدة العقائدية الموالية للنظام إلى فضاء وطني أرحب، تستدعى فيه مشاعر السيادة والخوف على مصير إيران، بصرف النظر عن موقف المواطنين من ولاية الفقيه أو سياسات الحكومة.
وهنا تكمن دلالتها الأعمق: فالنظام يسعى إلى جعل الدفاع عن إيران نقطة التقاء بين مؤيديه وغير مؤيديه، لكنه يواجه معضلة أساسية؛ إذ أن الالتفاف حول البلاد في لحظة الخطر لا يعني بالضرورة الالتفاف حول السلطة، كما أن الاستعداد للتضحية من أجل الوطن لا يمنح المؤسسات الحاكمة تفويضا سياسيا غير مشروط. ومن ثم، لا يقاس نجاح الحملة بعدد المسجلين فيها وحده، بل بقدرة النظام على إقناع المجتمع بأن الدفاع عن الدولة لا ينفصل عن الدفاع عن مشروعه السياسي، وهي معادلة لا يمكن فرضها بالشعارات وحدها.
والخطأ الأكبر هو اعتبار رفض الحرب تفويضا سياسيا مفتوحا للحكومة، فقد يرفض الإيراني التدخل العسكري الخارجي، ويتمسك بسيادة بلاده، ويعارض في الوقت نفسه ولاية الفقيه أو سياسات الحرس الثوري أو أداء الحكومة. ولا يوجد تناقض في هذا الموقف؛ لأن الدفاع عن الوطن لا يستلزم الموافقة على كل ما تفعله السلطة باسمه.
إن تراجع فاعلية العامل الديني في استقطاب قطاعات من المجتمع لا يعني اختفاء تأثيره، كما أن تصاعد الخطاب الوطني لا يثبت أن النظام استعاد شرعيته، فالحرب قد توحد مواقف متباينة حول خطر خارجي، لكنها لا تمحو الخلافات الداخلية ولا تعالج تلقائيا أسباب الاحتجاج.
والاختبار الحقيقي سيظهر في مدى استعداد السلطة لاحترام التعدد السياسي ومعالجة المشكلات الاجتماعية والاقتصادية وقبول حقيقة أن المواطن يستطيع الدفاع عن بلاده وانتقاد حكومتها في آن واحد.
إذ أن إيران ليست الجمهورية الإسلامية وحدها، كما أن العراق لم يكن صدام، وسوريا لم تكن الأسد، وليبيا لم تكن القذافي. الوطن ليس ملكا للنظام، والوطنية ليست شهادة ولاء للحاكم. إنها حق المواطنين في حماية بلادهم، وحقهم أيضا في مساءلة من يحكمها.

التعليقات