التخطي إلى المحتوى

الرباط – وافق العاهل المغربي الملك محمد السادس على طلب رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري إعفاء مديحة خيير من مهامها وزيرة منتدبة لدى وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، المكلفة بالتكوين المهني والتأهيل، وذلك بعد أيام قليلة من تعيينها ضمن التشكيلة الحكومية الجديدة، وفق بيان صدر الأحد عن الديوان الملكي

وجاء القرار في أعقاب جدل إعلامي أثاره تداول وثيقة طبية قديمة منسوبة إليها، أعادت إلى الواجهة معطيات مرتبطة بملف قضائي سابق، من دون أن تُحسم بصورة مستقلة صحة الوثيقة وظروف إعدادها أو دلالاتها القانونية، فيما يضع الإعفاء، الذي صدر في بداية الولاية الحكومية، تداعيات الجدل بشأن التعيينات الوزارية في صلب الاهتمام، مع ضرورة التمييز بين القرار السياسي والادعاءات التي لم يثبتها توثيق مستقل.

ويشكل إعفاء مديحة خيير، بعد أيام قليلة من تعيينها أول اختبار سياسي مبكر لتماسك الأغلبية الحكومية وقدرتها على احتواء تداعيات الأزمات التي قد تطال أحد مكوناتها، بينما تتجاوز دلالات الواقعة مسألة مغادرة وزيرة واحدة، لتطرح تساؤلات بشأن التنسيق بين رئاسة الحكومة والأحزاب المشاركة في الأغلبية، ومدى استعداد هذه المكونات للتعامل مع تبعات اختياراتها السياسية والتنظيمية.

 كما يضع التطور حزب الاستقلال أمام تحدي تدبير انعكاسات الإعفاء، بالنظر إلى الموقع الذي كانت تشغله خيير داخل الفريق النيابي للحزب، وإلى انتقالها المرتقب من المسؤولية البرلمانية إلى العمل الحكومي.

ولا يعني احتواء تداعيات التعيين حسم صحة الادعاءات التي رافقت الجدل، إذ تظل الوثيقة المتداولة بحاجة إلى التحقق من مصدرها وسياقها ومن ثم، فإن الاختبار الحقيقي للأغلبية يتمثل في الحفاظ على التنسيق السياسي واستمرارية العمل الحكومي، مع ضمان وضوح التواصل واحترام الضوابط القانونية، حتى لا تتحول أزمة التعيين المبكر إلى مصدر توتر بين مكونات الائتلاف.

جاء خروج مديحة خيير من التشكيلة الحكومية المغربية الجديدة قبل مباشرة مهامها ليشكل أول تطور لافت يواجه حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، بعدما وافق الملك محمد السادس على طلب إعفاءها من منصبها ليعيد طلب الاعفاء النقاش حول كيفية تدبير التعيينات الحكومية، ومدى استعداد الأحزاب لتحصين اختياراتها من تداعيات الملفات التي قد تظهر إلى العلن بعد الإعلان عنها.

ولم يكن تعيين خيير مجرد انتقال لبرلمانية إلى موقع تنفيذي؛ فقد جاء بعد صعودها داخل حزب الاستقلال، وتوليها رئاسة الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب، مستفيدة من نتائج انتخابية قوية في دائرة بني ملال ولذلك، فإن إعفاءها يطال مسارا سياسيا كان يتجه نحو توسيع حضورها في مؤسسات الدولة ويضع الحزب أمام ضرورة التعامل مع تداعيات قرار جاء في توقيت حساس بالتزامن مع انطلاق الحكومة الجديدة.

وتزامن التطور مع تداول وثيقة طبية قديمة منسوبة إلى خيير، أعادت وسائل إعلام ربطها بوقائع تعود إلى سنة 2004 وبملف قضائي سابق، فقد أثار انتشار الوثيقة نقاشا بشأن مضمونها وظروف إعدادها، فضلا عن علاقتها بالإجراءات القضائية التي تناولتها روايات إعلامية، غير أن هذه المسائل لا يمكن حسمها اعتمادا على صورة متداولة أو تقارير غير مدعومة بوثائق أصلية، كما لا يصح التعامل مع الادعاءات المنشورة باعتبارها حقائق ثابتة.

ولم يصدر، وفق المعطيات المتاحة، توضيح رسمي من خيير أو حزب الاستقلال يفصل في ملابسات الوثيقة أو يحدد موقفهما من الروايات المتداولة ويجعل هذا الغموض من الضروري التمييز بين القرار المتعلق بتولي المسؤولية الحكومية وبين إثبات الوقائع التي رافقت الجدل؛ فالإعفاء لا يمثل بحد ذاته حكما قضائيا، ولا يكفي لإثبات صحة ما نسب إلى المعنية.

أما سياسيا، فيطرح توقيت القرار سؤالا بشأن قدرة الحكومة الجديدة على تجنب الأزمات المبكرة التي قد تؤثر في صورتها العامة، خصوصا أن التشكيلة الوزارية لم تكن قد بدأت عملها بصورة كاملة، فظهور جدل واسع حول إحدى الشخصيات المعينة يفرض على رئاسة الحكومة التعامل مع مسألتين متوازيتين: احتواء التداعيات السياسية، وضمان ألا يتحول النقاش الإعلامي إلى بديل عن التحقق من الوقائع أو احترام الضمانات القانونية.

ويكشف الملف كذلك أهمية دور الأحزاب في مراجعة اختياراتها قبل اقتراح الأسماء للمناصب الوزارية، فالمسؤولية الحزبية لا تنتهي عند ترشيح شخصية تحظى بموقع تنظيمي أو بقاعدة انتخابية، بل تشمل تقدير متطلبات المنصب العام، والاستعداد للتعامل مع المعلومات التي قد تؤثر في الثقة بالاختيار ومع ذلك، فإن التدقيق لا يعني تبني كل ما يتداول، بل التثبت من المصادر والتمييز بين الوقائع المثبتة والادعاءات.

أما بالنسبة إلى حزب الاستقلال، فإن الإعفاء يفتح باب إعادة ترتيب المسؤوليات، سواء على مستوى الفريق النيابي الذي ترأسه خيير أو في حسابات الحزب داخل الأغلبية ويأتي ذلك في وقت تحتاج فيه الأحزاب المشاركة في الحكومة إلى المحافظة على استقرارها التنظيمي، وتجنب أن تتحول الخلافات أو الأزمات المرتبطة بالأفراد إلى مصدر تشويش على الأولويات الحكومية.

وتتجاوز دلالة الواقعة مصير وزيرة واحدة، لتصل إلى العلاقة بين الاختيار السياسي والثقة العامة، فنجاح الحكومة لا يرتبط فقط بتوزيع الحقائب والتوازنات الحزبية، بل أيضا بقدرتها على تقديم تفسيرات واضحة عند ظهور أزمات، مع احترام حق المعنيين في الرد وقرينة البراءة. وبين مقتضيات الحفاظ على صورة المؤسسات وضرورة عدم إصدار أحكام مسبقة، يبقى التحقق من الوقائع والتواصل المسؤول عنصرين أساسيين لتجنب اتساع الجدل وتحويله إلى أزمة سياسية أطول أمدا.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *