
شدد الدكتور محمود محيي الدين، المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لتمويل التنمية المستدامة، على ضرورة تسريع إصلاح منظومة الديون السيادية، وتطوير آليات أكثر فاعلية لمعالجة أزمات المديونية، وتحويل المبادرات الدولية إلى خطوات تنفيذية ملموسة تدعم النمو الاقتصادي والاستثمار والتنمية المستدامة، خاصة في الدول النامية التي تواجه ارتفاع تكاليف الاقتراض وتراجع الحيز المالي المتاح للإنفاق التنموي.
جاء ذلك خلال مشاركته في سلسلة من المناقشات رفيعة المستوى بالعاصمة التايلاندية بانكوك، يومي الخميس والجمعة 15 و16 أكتوبر 2026، على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي، والتي تناولت إصلاح الديون السيادية، وتمويل التنمية، وتعزيز الاستثمارات في القطاع الصناعي.
محمود محيي الدين: استقرار الدين لا يعني تحسن شروط التمويل
شارك محيي الدين، الخميس 15 أكتوبر، في مائدة مستديرة رفيعة المستوى بعنوان «الديون السيادية وتدفقات رؤوس الأموال في البلدان النامية خلال الأزمات: عام على تقرير اليوبيل»، نظمتها مبادرة الحوار بشأن السياسات بجامعة كولومبيا، ومركز سياسات التنمية العالمية بجامعة بوسطن، ومختبر التمويل من أجل التنمية.
وبحثت المناقشات تطورات أزمة الديون السيادية بعد مرور عام على صدور تقرير اليوبيل، ومدى فاعلية آليات إعادة هيكلة الديون الحالية، والإصلاحات المطلوبة لتعزيز التعاون الدولي، وضمان ارتباط استدامة المديونية بتوفير التمويل اللازم لتحقيق أهداف التنمية على المدى الطويل.
وأكد محيي الدين أن استقرار نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي لا يعكس بالضرورة تحسن الأوضاع التمويلية للدول أو قدرتها على تحمل أعباء المديونية، في ظل ارتفاع تكاليف الاقتراض وخدمة الدين، وتزايد مخاطر إعادة التمويل، وهي عوامل تضيق المساحة المالية المتاحة للاستثمار في الخدمات العامة والمشروعات التنموية.
وأوضح أن المعيار الحقيقي لنجاح إصلاحات الديون لا ينبغي أن يقتصر على قدرة الدول على الوفاء بالتزاماتها المالية، بل يجب أن يمتد إلى استعادة قدرتها على الاستثمار في مواطنيها، وتعزيز مرونة اقتصاداتها، وتوسيع طاقتها الإنتاجية، بما يحقق توازنًا بين الاستقرار المالي ومتطلبات التنمية.
وأشار إلى تحقيق تقدم في بعض الجوانب الفنية والمؤسسية المتعلقة بإعادة هيكلة الديون وتقييم استدامتها، إلا أن وتيرة تنفيذ عدد من الإصلاحات الأساسية لا تزال أبطأ من المطلوب لمواجهة حجم التحديات الراهنة.
ودعا إلى تسريع إجراءات تسوية الديون، وتعزيز آليات توفير السيولة لمواجهة التقلبات والأزمات، وتوسيع مشاركة الدول المقترضة في صياغة إصلاحات النظام المالي الدولي، مع ربط حلول المديونية بالأولويات التنموية الوطنية، ووضع مسؤوليات مؤسسية واضحة وجداول زمنية محددة لضمان تنفيذ التعهدات ومتابعة نتائجها.
التجمعات الصناعية بوابة لجذب الاستثمارات وتحقيق النمو
وفي سياق متصل، شارك محيي الدين في مناقشة نظمها المنتدى الاقتصادي العالمي تحت عنوان «ميزة التجمعات الصناعية: الاستثمار في النمو الصناعي»، ضمن جلسة «من التجمعات التنافسية إلى الفرص القابلة للاستثمار»، التي ركزت على سبل تحويل التجمعات الصناعية إلى مشروعات قابلة للتمويل وجاذبة للاستثمارات.
وتناولت الجلسة دور الحكومات ومؤسسات التمويل الإنمائي والقطاع الخاص في حشد الموارد المالية اللازمة لتطوير التجمعات الصناعية، والاستفادة من البنية الأساسية المشتركة، وتعزيز قدرة المشروعات على جذب الاستثمارات المحلية والدولية.
وأكد محيي الدين أن التجمعات الصناعية لا تقتصر أهميتها على كونها أداة لتنفيذ السياسات الصناعية، بل تمثل أيضًا آلية فعالة لتطوير فرص استثمارية قابلة للتمويل، من خلال تجميع الشركات والبنية الأساسية والطلب على الخدمات المشتركة، بما يتيح تنفيذ مشروعات أكثر كفاءة وقدرة على جذب رؤوس الأموال.
وأوضح أن تحويل الخطط الصناعية إلى مشروعات قابلة للتمويل يتطلب إعدادًا فنيًا وماليًا جيدًا، وتقييمًا موضوعيًا للمخاطر، إلى جانب توزيعها بصورة فعالة بين الأطراف المعنية، بما يعزز فرص نجاح المشروعات واستدامتها.
ولفت إلى أن ارتفاع تكاليف التمويل ومحدودية الحيز المالي في الاقتصادات النامية يمثلان تحديًا أمام تنفيذ مشروعات صناعية مجدية، مشددًا على أهمية دور مؤسسات التمويل الإنمائي في توفير التمويل طويل الأجل بالعملات المحلية، ودعم إعداد المشروعات، وتقديم الضمانات اللازمة لمعالجة المخاطر التي يصعب على الأسواق استيعابها بكفاءة.
وأكد ضرورة توظيف أدوات التمويل الإنمائي دون تحميل الحكومات التزامات مالية غير مستدامة، مع تقييم نجاح التجمعات الصناعية وفقًا لنتائجها التنموية الفعلية، بما يشمل زيادة الإنتاجية، وخلق فرص العمل، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز مشاركة الموردين المحليين، والحد من الانبعاثات.
منتدى إشبيلية للديون يبحث تسريع تنفيذ المبادرات الدولية
وفي صباح الجمعة 16 أكتوبر، شارك محيي الدين في منتدى إشبيلية للديون، ضمن جلسة بعنوان «خارطة طريق إشبيلية: جيل جديد من المبادرات لمعالجة الديون»، بمشاركة ممثلين عن الحكومات والمؤسسات الدولية وخبراء متخصصين في إصلاح منظومة الديون السيادية.
وركزت المناقشات على تطورات أزمة المديونية العالمية، ومدى التقدم المحرز في تنفيذ المبادرات التي أُطلقت في إشبيلية، إلى جانب بحث الأدوات والآليات الجديدة اللازمة للتعامل مع التحديات المتزايدة التي تواجه الدول المدينة.
وتأتي هذه المناقشات في ظل تصاعد الحاجة إلى تطوير منظومة التمويل الدولي، بما يضمن معالجة أكثر كفاءة واستدامة لأزمات الديون، ويتيح للدول النامية توجيه موارد أكبر نحو الاستثمار والإنتاج وخلق فرص العمل، بدلًا من استنزاف قدراتها المالية في أعباء خدمة الدين.

التعليقات