اختيارات القراء .. من قرر أن التضخم يجب أن يكون 2%؟
في الأول من أبريل عام 1988، فاجأ وزير مالية نيوزيلندا “روجر دوجلاس” مسؤولي البنك المركزي بإعلانه، خلال مقابلة تلفزيونية، استهداف تضخم يتراوح بين صفر و1%، في محاولة لكبح توقعات ارتفاع الأسعار.
بعد مشاورات مع المسؤولين، تحولت الفكرة إلى نطاق يتراوح بين صفر و2%، اعتمدته نيوزيلندا رسميًا عام 1990، لتبدأ تجربة ستغير فلسفة السياسة النقدية عالميًا، رغم أن الرقم لم يكن نتيجة اكتشاف علمي يثبت مثاليته.
انتشرت الفكرة تدريجيًا، حتى اعتمد الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي مستهدفًا رسميًا عند 2% عام 2012، لكن المفارقة أن نيوزيلندا نفسها كانت قد وسعت نطاقها إلى صفر-3% عام 1996.
وبعد عقود، بات السؤال أكثر إلحاحًا: هل لا يزال الرقم الذي اختير لضبط التضخم في عالم الأمس مناسبًا لاقتصاد يواجه صدمات متكررة في الطاقة والتجارة والإمدادات؟ أم أن تغييره سيخلق مشكلات تفوق فوائده؟
أو كما يقول الأخ “اتجاهات” تعليقًا على بيانات التضخم الأخيرة في أمريكا، إن “تبني معايير نقدية قديمة يعد إنكارًا للواقع الاقتصادي، والإصرار على خفض التضخم إلى 2% يتطلب رفعًا قسريًا للفائدة، مما يكسر الاقتصاد ويسبب بطالة جماعية”.
لماذا لا يكون المستهدف صفرًا؟
– ظاهريًا، يبدو التضخم الصفري أكثر منطقية، فهو يحافظ على الأسعار دون ارتفاع، لكن البنوك المركزية لا تعتبر ثبات الأسعار حرفيًا الخيار الأمثل؛ لأن الاقتصاد يحتاج إلى هامش يحميه من الانكماش السعري.
– فعندما تنخفض الأسعار باستمرار، ترتفع القيمة الحقيقية للديون، وقد يؤجل المستهلكون مشترياتهم انتظارًا لمزيد من الانخفاضات، بينما تجد الشركات صعوبة في خفض الأجور الاسمية للتكيف مع تراجع الطلب.
– الأهم أن التضخم المنخفض للغاية يرتبط عادة بفوائد اسمية أقل، ما يحد من قدرة البنك المركزي على خفضها إذا حدث ركود، خصوصًا عند الاقتراب من الصفر.
– لكن هذه المبررات تفسر الحاجة إلى تضخم إيجابي معتدل، ولا تحسم لماذا ينبغي أن يكون 2% تحديدًا، وليس 3% أو 4%، كما يقترح القارئ العزيز.
كم تساوي نقطتان مئويتان؟
– الفارق ليس صغيرًا كما يبدو، فلو افترضنا ثبات معدل التضخم طوال عشرين عامًا، فإن سلعة سعرها 100 دولار اليوم ستصبح تكلفتها كما يلي:
|
معدل التضخم السنوي
|
السعر بعد 20 عامًا
(دولار)
|
|
2%
|
149
|
|
3%
|
181
|
|
4%
|
219
|
– هذه حسابات افتراضية لا تأخذ تغير الأجور في الاعتبار، لكنها توضح أن رفع المستهدف يحمل تكلفة تراكمية على حائزي النقد والدخول التي لا تواكب الأسعار.
– في المقابل، يمنح التضخم الأعلى ميزة مهمة: فإذا ارتفع المستهدف من 2% إلى 4%، فقد يرتفع مستوى الفائدة الاسمية الطبيعي بنقطتين مئويتين، بافتراض ثبات الفائدة الحقيقية والتوقعات عند المستهدف الجديد.
– هكذا يمتلك الفيدرالي مساحة أوسع لخفض الفائدة عند وقوع أزمة، بدلًا من الاصطدام سريعًا بمعضلة الفائدة الصفرية، التي قيدت استجابته خلال الأزمة المالية العالمية وجائحة كورونا.
– في عام 2010، طرح الاقتصادي “أوليفييه بلانشار” وزملاؤه بصندوق النقد الدولي إمكانية استهداف 4%، ثم دافع “لورانس بول” عام 2014 عن الفكرة، معتبرًا أن فوائد المرونة الإضافية قد تتجاوز تكلفتها.
– لكن دراسة لبنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند عام 2020 وجدت أن رفع المستهدف إلى 4% قد يوفر مساحة نقدية فعالة إضافية تتراوح بين 0.51 و1.60 نقطة مئوية فقط، نتيجة تغير سلوك الشركات في التسعير.
هل تغير الواقع الاقتصادي فعلًا؟
– بعد كورونا، أصبحت حجة رفع المستهدف أكثر جاذبية؛ فاضطرابات سلاسل الإمداد، والتوترات التجارية، وصدمات الطاقة قد تدفع الأسعار للارتفاع دون أن يكون الطلب الاستهلاكي هو المحرك الأساسي.
– هنا تظهر المعضلة: يستطيع الفيدرالي رفع الفائدة لتقليص الاقتراض والإنفاق، لكنه لا يستطيع بذلك زيادة إنتاج النفط أو إصلاح سلاسل الإمداد، وربما يدفع الاقتصاد إلى التباطؤ دون معالجة سبب التضخم.
– لكن القول إن الوصول بالتضخم إلى 2% ينتهي ببطالة جماعية لا تؤيده التجربة الأمريكية الأخيرة؛ فقد تراجع تضخم نفقات الاستهلاك الشخصي إلى 2.6% عام 2024 من 6% عام 2022، بينما ارتفعت البطالة من 3.6% إلى 4.1%.
– مع ذلك، لم تنته المشكلة؛ ففي أغسطس 2026 بلغ التضخم وفق المؤشر المفضل للفيدرالي 3.4%، بينما رفع البنك الفائدة في سبتمبر إلى نطاق بين 3.75% و4.00%، وأشار إلى أن العودة إلى 2% قد لا تتحقق قبل 2029.
– هذه التطورات لا تثبت أن المستهدف القديم أصبح خاطئًا، لكنها تفرض سؤالًا بشأن التكلفة الاقتصادية للعودة إليه، والمدة التي ينبغي السماح خلالها باستمرار التضخم فوق الهدف.
هل يصبح تغيير القاعدة أخطر من الالتزام بها؟
– يتمثل الاعتراض الأقوى في المصداقية؛ فإذا رفع الفيدرالي المستهدف كلما تعثرت مكافحة التضخم، فقد يتوقع المستثمرون زيادات أخرى مستقبلًا، ما يدفعهم للمطالبة بعوائد أعلى ويزيد تكاليف الاقتراض.
– لذلك، عندما راجع الفيدرالي إطاره النقدي في أغسطس 2025، أبقى مستهدف 2% دون تغيير، بل استبعد مناقشة مستوى المستهدف نفسه من نطاق المراجعة.
– لكن ثمة خيارًا ثالثًا بين الجمود ورفع المستهدف، يتمثل في الاحتفاظ بنسبة 2% على المدى الطويل، مع إتاحة وقت أطول لبلوغها عندما تكون الضغوط ناتجة أساسًا عن صدمات عرض مؤقتة.
– هذا ما تدعمه مناقشات ببنك التسويات الدولية، تحذر من أن الاستجابة المفرطة لتحركات الأسعار القطاعية قد تُحدث اضطرابات اقتصادية دون تحقيق مكاسب مستدامة في استقرار التضخم.
– هكذا تعود المفارقة إلى أصلها النيوزيلندي، إذ لم يكن رقم 2% حقيقة اقتصادية مقدسة، لكنه تحول بمرور الوقت إلى أداة لبناء الثقة، وقد تصبح المحافظة على تلك الثقة أثمن من تغيير الرقم نفسه.
– ربما لا يحتاج الاقتصاد الأمريكي إلى مستهدف جديد بقدر حاجته إلى تحديد الثمن المقبول لتحقيق مستهدفه القديم؛ فالانضباط النقدي لا يعني الوصول إلى 2% بأي تكلفة، كما أن المرونة لا تعني التسامح الدائم مع التضخم.
المصادر: أرقام- بنك الاحتياطي النيوزيلندي- الاحتياطي الفيدرالي- صندوق النقد الدولي- البنك الفيدرالي في كليفلاند- مكتب التحليل الاقتصادي- بنك التسويات الدولية
للمزيد من المقالات
اضغط هنا

التعليقات