ليست كل الضغوط الخارجية انتقاصًا من السيادة، كما أنّ رفضها لمجرد صدورها عن الخارج لا يشكّل بالضرورة دفاعًا عن القرار الوطني، ففي السياسة، لا تُقاس المسائل بالشعارات وحدها، بل بمدى توافقها مع الدستور والقوانين والقرارات التي تتخذها الدولة، وبقدرة مؤسساتها على تنفيذ خياراتها باستقلالية ومساءلة.
من هذا المنطلق، تستحق المواقف الأميركية الأخيرة تجاه لبنان قراءةً تتجاوز اعتبارها اختبارًا جديدًا للسيادة اللبنانية، فبين مطالبة واشنطن بضبط السلاح خارج المؤسسات الشرعية، ودعوتها إلى إعادة النظر في قانون مقاطعة إسرائيل الصادر عام 1955، واقتراحها إقامة اتصالات عسكرية مباشرة بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي، ثمة ملفات مختلفة لا يجوز وضعها جميعًا في سلّة واحدة.
حين تلتقي واشنطن مع بيروت
قبل عدة أشهر، أعلن الرئيس جوزيف عون أنّ الوقت قد حان لإنهاء حالة العداء بين لبنان وإسرائيل، في موقف يعبّر عن استعداد رسمي للبحث عن مخرج سياسي من دوامة الحروب. كما أكدت الحكومة اللبنانية استعدادها لاستئناف المفاوضات بمشاركة مدنية ورعاية دولية، بما يعكس انتقالًا من إدارة المواجهة إلى محاولة معالجة أسبابها وتداعياتها.
ولا يعني ذلك أنّ لبنان وافق تلقائيًا على كل ما قد يُطرح خلال المفاوضات ولا أنّ إنهاء حالة العداء يساوي بالضرورة إقامة علاقات طبيعية كاملة مع إسرائيل، لكنه يعني أنّ التفاوض بات خيارًا أعلنته المؤسسات اللبنانية نفسها، وأنّ المشاركة فيه لا يمكن التعامل معها، في حد ذاتها، بوصفها خروجًا على الشرعية أو تنازلًا عن السيادة.
من هنا، فإنّ الاعتراض على مشاركة مسؤول لبناني في مسار تفاوضي رسمي ينبغي أن يناقش على أساس السياسة التي أقرتها الدولة، لا أن يتحول إلى استهداف للشخص الذي يتولى تنفيذها.
وقد برز هذا الإشكال في قضية السفيرة اللبنانية لدى الولايات المتحدة، ندى حمادة معوّض، بعد تقديم إخبار على خلفية تقارير تحدثت عن اتصال أجرته بنظيرها الإسرائيلي، يحيئيل لايتر، للاطمئنان على نجله الذي أصيب في حادث دهس في الضفة الغربية المحتلة. وأفادت وسائل إعلام لبنانية بأنّ مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية قرر حفظ الإخبار في 15 أكتوبر/تشرين الأول.
المتفجرات وقرار الدولة
تتضح المسألة بصورة أكثر مباشرة في قضية شحنة المتفجرات التي ضبطتها السلطات اللبنانية وصادرتها عند نقطة ضهر البيدر، ففي 2 مارس/آذار، اتخذ مجلس الوزراء قرارًا بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله، مؤكدًا أنّ قرار الحرب والسلم يعود حصريًا إلى الدولة، ومكلّفًا الأجهزة العسكرية والأمنية باتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذ القرار ومنع الأعمال المسلحة الخارجة عن مؤسساتها الشرعية.
وبالتالي، فإنّ ضبط شحنة من المتفجرات ومصادرتها والتحقيق في ملابسات نقلها ليست إجراءات ينبغي تقييمها فقط من زاوية المطالب الأميركية، بل من زاوية تنفيذ قرار لبناني رسمي سبق تلك المطالب.
وعندما أعلن النائب عن حزب الله حسن فضل الله أنّ الشحنة تعود إلى الحزب، وطالب بإعادتها والإفراج عن الموقوفين، برز تناقض سياسي يستحق التوقف عنده، فكيف يمكن المطالبة باحترام الدولة ومؤسساتها، ثم مطالبة أجهزتها بالتراجع عن إجراء اتخذته في إطار مسؤولياتها الأمنية؟ وإذا كان الحزب يؤكد أنّ المواد كانت مخصصة لمواجهة القوات الإسرائيلية، فإنّ هذا التبرير لا يلغي حق الدولة في ضبط نقل المتفجرات والتحقق من وجهتها والجهة المسؤولة عنها.
وفي هذا السياق، فإنّ دعوة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى محاسبة من أمروا بالشحنة أو موّلوها أو أشرفوا عليها تتقاطع مع مبدأ مساءلة المسؤولين عن أي مخالفة، لكنها لا تعفي السلطات اللبنانية من واجبها في إجراء تحقيق مستقل، ولا تمنح واشنطن حق الحلول محل القضاء اللبناني.
قانون المقاطعة والاتصال العسكري
أما قانون مقاطعة إسرائيل لعام 1955، فيطرح مسألة مختلفة وأكثر تعقيدًا، فقد انتقدت واشنطن القانون، معتبرة أنه يعرقل التقدم نحو السلام، ودعت إلى إتاحة اتصال عسكري مباشر بين لبنان وإسرائيل لتقليل مخاطر سوء التقدير وتسهيل تنفيذ التفاهمات الأمنية.
لكن توافق الدولة اللبنانية مع مبدأ التفاوض لا يعني أنها تبنّت تلقائيًا إلغاء قانون المقاطعة، أو وافقت نهائيًا على كل آلية اتصال يقترحها الأميركيون، فهذه مسائل تتصل بالتشريع والسياسة العامة، وينبغي أن تُناقش ضمن المؤسسات الدستورية، مع مراعاة المصالح اللبنانية والالتزامات القائمة والوقائع الأمنية على الأرض.
ومن حق لبنان أن يسأل عن الضمانات المطلوبة لإنجاح أي تفاهم، وعن المقابل الذي ينبغي أن يترتب عليه، ولا سيما وقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة. وقد شدد الرئيس عون، خلال اتصاله بروبيو، على ضرورة الضغط على إسرائيل لوقف الاعتداءات والتدمير في الجنوب، وفق ما أعلنته الرئاسة اللبنانية.
السيادة معيارٌ واحد للجميع
ولعل الاختبار الحقيقي الذي يواجه لبنان اليوم ليس الاختيار بين واشنطن وبيروت، ولا المفاضلة بين الضغط الأميركي والاعتراض الحزبي، بل قدرة الدولة على تحويل قراراتها المعلنة إلى ممارسة فعلية، فإذا قررت الحكومة حظر الأنشطة العسكرية والأمنية الخارجة عن مؤسساتها، وجب تنفيذ القرار بصرف النظر عن هوية الجهة المعنية.
وإذا اختارت التفاوض، وجب أن تُحمى صلاحية مؤسساتها في إدارة هذا المسار، مع إخضاع نتائجه للمساءلة الوطنية. وإذا طُرحت تعديلات قانونية أو آليات اتصال جديدة، وجب أن تُناقش وفق الأصول اللبنانية، لا أن تُفرض باعتبارها ثمنًا مسبقًا لأي تقدم.
وليس المطلوب من لبنان في النهاية أن يوافق على كل ما تطلبه الولايات المتحدة ولا أن يرفض كل ما يصدر عنها، المطلوب أن يمتلك قراره وأن يميّز بين ما ينسجم مع خياراته المعلنة وما يحتاج إلى مراجعة أو تفاوض، وأن يطبق القانون على الجميع من دون استثناءات سياسية.

التعليقات