التخطي إلى المحتوى

القدس – يسعى الجنرال الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت إلى تحويل تراجع الثقة برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى فرصة للوصول إلى السلطة، مستنداً إلى صورته كرجل مباشر وأقل انشغالاً بالاستعراض السياسي، وإلى انتقاداته لإخفاقات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وإدارة الحرب.

لكن مواقفه من الفلسطينيين، إلى جانب تعقيدات تشكيل الائتلافات، تثير تساؤلات بشأن حجم التغيير الذي يمكن أن يحدثه إذا فاز في الانتخابات المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول.

وفي تقرير نشرته صحيفة “الغارديان” البريطانية الخميس بعنوان “غير متكلف ومعارض لنتنياهو، لكنه مراوغ بشأن السلام”، يرصد بيتر بومونت صعود آيزنكوت، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق وزعيم حزب “يشار”، الذي يعني اسمه بالعبرية “مستقيم” أو “صريح”، ويقدم نفسه بديلاً لنتنياهو في إدارة الدولة والمؤسسة العسكرية والعلاقات الخارجية.

ويختلف آيزنكوت عن نتنياهو في صورته العامة؛ إذ يُنظر إليه باعتباره أقل تكلّفاً وأكثر تواضعاً، فيما تمنحه خلفيته العائلية، بوصفه من اليهود الشرقيين ذوي الأصول المغربية، ومسيرته العسكرية التي بدأت في سلاح المشاة، جاذبية لدى بعض الناخبين الذين يرون فيه شخصية أقرب إلى الناس.

وتنقل “الغارديان” عن ميراف زونزِين، المحللة في مجموعة الأزمات الدولية، أنه لا يبدو منخرطا في الفساد أو شديد الانشغال بتلميع صورته، لكنها تشير إلى أنه يتجنب الحسم في عدد من القضايا.

وترى المحللة داليا شايندلين أن بعض الناخبين قد يربطون خلفيته المتواضعة بصورة رجل صريح ومهني، وإن كان ذلك لا يثبت وحده امتلاكه برنامجاً سياسياً متكاملاً.

مساءلة الحكومة والخدمة العسكرية

يضع آيزنكوت التحقيق في الإخفاقات الاستخباراتية والعسكرية التي سبقت هجوم حماس في 7 أكتوبر ضمن أولوياته، كما يدعم إنهاء إعفاء اليهود المتشددين دينياً، المعروفين بالحريديم، من الخدمة العسكرية، في خطوة قد تضعه في مواجهة أحزاب دينية يحتاج إليها نتنياهو وائتلافه.

وكان آيزنكوت قد استقال من حكومة الحرب عام 2024، منتقداً غياب استراتيجية واضحة للحرب والاكتفاء بإدارة العمليات العسكرية من دون تحديد أهداف سياسية قابلة للتحقيق.

واتهمه نتنياهو بأنه أراد وقف الحرب مبكرا، بينما شكك آيزنكوت في إمكان تحقيق “النصر المطلق” على حماس، ودعا إلى إعطاء الأولوية لاستعادة الرهائن.

ولا يمثل آيزنكوت، مع ذلك، تيارا رافضا لاستخدام القوة العسكرية. فقد ارتبط اسمه خلال حرب لبنان عام 2006 بما يُعرف بـ”عقيدة الضاحية”، التي تقوم على استخدام قوة عسكرية واسعة لإلحاق أضرار كبيرة بالمناطق التي تنطلق منها الهجمات.

وتذكّر “الغارديان” بأن هذا النهج العسكري بلغ أحد أشد تجلياته خلال الحرب على غزة.

وتحمل الحرب أيضا بعدا شخصياً بالنسبة إليه؛ إذ توفي ابنه غال مئير آيزنكوت، البالغ 25 عاماً، متأثرا بجروح أصيب بها خلال عملية عسكرية في غزة أواخر عام 2023، كما فقد اثنين من أبناء إخوته خلال الحرب.

الضفة الغربية: خلاف مع اليمين لا يعني رفض الاستيطان

يعارض آيزنكوت خطة الاستيطان المعروفة باسم “إي 1″، التي قد تقوض التواصل الجغرافي الفلسطيني بين أجزاء من الضفة الغربية والقدس الشرقية، كما يعارض منح وزير المالية اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش صلاحيات واسعة في إدارة شؤون الضفة.

ويتعهد بإعادة الجيش إلى موقع المسؤولية المباشرة، والحد من عنف المستوطنين، واتخاذ إجراءات ضد بؤر استيطانية غير مرخصة. لكنه لا يعارض الاستيطان اليهودي من حيث المبدأ، بل يميز بين المستوطنات التي يراها منسجمة مع المصالح الإسرائيلية وتلك التي يعتبرها مضرة بها.

وكان قد وصف خطة “إي 1” بأنها خطأ يضر بمصالح إسرائيل وصورتها الدولية، لكنه قال إن حل الدولتين يبدو غير واقعي في الظروف التي أعقبت هجوم 7 أكتوبر.

وتبرز هنا إحدى أبرز نقاط الغموض في برنامجه: فهو لا يلتزم بقيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة، ولا يقدم تصورا واضحاً لتسوية نهائية للصراع. وتربط مواقفه من غزة أيضا أي ترتيب مستقبلي بتفكيك القدرات العسكرية لحماس وإنهاء حكمها، مع الإبقاء على متطلبات أمنية إسرائيلية صارمة.

ويرى محللون أن آيزنكوت قد يسعى إلى إدارة الصراع بكفاءة أكبر وتقليل الضغوط الدولية على إسرائيل، بدلاً من تقديم مسار سياسي واضح لإنهائه.

ويرى يوسي ميكلبرغ، الباحث في مركز تشاتام هاوس، أن المعارضة قد تعد الناخبين بأنها ستكون بمثابة “مديرين تنفيذيين أفضل”، من دون أن تنقل البلاد بالضرورة إلى اتجاه مختلف جذرياً.

إصلاح العلاقات الخارجية من دون تحول استراتيجي كبير

تتوقع تغطيات أخرى أن تسعى حكومة معارضة إلى تحسين العلاقات مع الشركاء الدوليين، والحد من عنف المستوطنين، واستعادة قدر من التعاون مع السلطة الفلسطينية. لكن تقريراً نشرته “فايننشال تايمز” في أكتوبر/تشرين الأول يشير إلى أن التحولات الكبرى في السياسة الأمنية الإسرائيلية تبدو مستبعدة، وأن قادة المعارضة لا يقدمون التزاماً بقيام دولة فلسطينية.

وقد يسمح تغيير الحكومة بتخفيف حدة التوتر الدبلوماسي وتعديل بعض السياسات التي أثارت انتقادات خارجية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة تغييراً جذرياً في الحرب أو الاستيطان أو مستقبل الأراضي الفلسطينية.

الاستطلاعات: تقدم في بعض المؤشرات وأغلبية غير مضمونة

أظهرت استطلاعات حديثة أن حزب “يشار” بقيادة آيزنكوت أصبح منافسا رئيسيا لليكود بزعامة نتنياهو. ووفق استطلاع نشرته هيئة البث الإسرائيلية “كان” في 11 أكتوبر/تشرين الأول، وتناقلت نتائجه وسائل إعلام، حصل آيزنكوت على تأييد 43 في المئة ممن سُئلوا عمن يرونه الأنسب لرئاسة الحكومة، مقابل 38 في المئة لنتنياهو.

وقدّر الاستطلاع نفسه حصول حزب “يشار” على 22 مقعدا في الكنيست المؤلف من 120 عضواً، مقابل 20 مقعدا لليكود. لكن معسكر نتنياهو حصد 53 مقعدا في التقدير، أي أقل بثمانية مقاعد من الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة، وهي 61 مقعدا.

وفي استطلاع آخر نشرته “تايمز أوف إسرائيل” في 8 أكتوبر/تشرين الأول، تقدم معسكر أحزاب المعارضة اليهودية بأربعة مقاعد على معسكر نتنياهو، لكن أيا من المعسكرين لم يقترب من أغلبية مستقرة. وتُظهر النتائج المتباينة أن المنافسة لا تزال مفتوحة، وأن ترتيب الأحزاب لا يكفي وحده لتحديد هوية رئيس الوزراء المقبل.

وتتمثل العقبة الأساسية أمام آيزنكوت في بناء ائتلاف قادر على تأمين الأغلبية.

فقد يحتاج إلى دعم أحزاب عربية أو قوى أخرى، بينما يفرض على شركائه المحتملين شروطاً سياسية تتعلق بطبيعة الدولة وموقفهم من حماس والخدمة العسكرية. وقد أعلن أن الأحزاب العربية القائمة لا تستوفي، وفق تقييمه، الشروط التي وضعها للمشاركة في حكومة يقودها.

وبالمحصلة، يبدو ان مستقبل آيزنكوت لا يتوقف على قدرته على منافسة نتنياهو في عدد المقاعد فحسب، بل على إمكانية جمع أغلبية برلمانية متماسكة، وحتى إذا أفضت الانتخابات إلى تغيير القيادة، فإن مواقفه المعلنة لا تشير حتى الآن إلى تحول جذري في السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *