هذا الفيلم “the bride” العروس ليس مجرد إعادة إحياء لأسطورة “عروس فرانكشتاين” الكلاسيكية، بل هو تمرّد فني صاخب يمزج بين الرعب النفسي والدراما الوجودية، وهو عموماً فيلم خيال علمي أميركي للمخرجة ماغي غيلينهال. وقد عُرض في أميركا بتأريخ السادس من مارس/آذار من العام الحالي، بواسطة شركة “وارنر برذرز بيكتشرز”.
الحبكة الخلاقة
تبدأ القصة في شيكاغو عام 1930، حيث يعيش فرانكشتاين (الذي يجسده “كريستيان بيل” بأداء مذهل. يطلب المساعدة من الدكتورة يوفرونيوس” آنيت بنينغ” لخلق رفيقة له. فتختار جسد امرأة شابة قُتلت اسمها ايدا تؤدي دورها (جيسي باكلي) الحائزة على جائزة الأوسكار عن دورها في فيلم ” هامنت”، لتعود إلى الحياة ليس كأداة مطيعة، بل ككيان يبحث عن هويته. وبدلاً عن أن تكون العروس مجرد استجابة لرغبات صانعها، تبدأ في استكشاف العالم من حولها، وتتجاوز حدود برمجتها البيولوجية والاجتماعية. الفيلم يتتبع رحلة البطلين في مجتمع لا يتقبل المختلف، وكيف تحول هذا الكائن المصنوع إلى رمز للحرية والتغيير الجذري.
تساؤلات فلسفية
هنا الفيلم يطرح تساؤلات فلسفية عميقة تتجاوز فكرة الوحش، ويمكن تلخيصها في نقاط عديدة؛ منها أن الفيلم يقلب موازين القوى. العروس ترفض أن تكون مُلكية لفرانكشتاين أو المجتمع. إنها تمثل صرخة ضد القوالب الجاهزة التي تُفرض على الأفراد. بينما كان فرانكشتاين يبحث عن الحب، كانت العروس تبحث عن الذات. هذا التضاد يخلق توتراً درامياً رائعاً، حيث يدرك الصانع أن مخلوقه قد تفوّق عليه أخلاقياً وروحياً. وأن الوحشية ليست في الندوب التي تغطي جسد العروس، بل في رد فعل المجتمع المتحضر تجاه كل ما هو خارج عن السيطرة.
يعتبر الفيلم مثيراً في جمالياته البصرية، فكانت مزيجاً موفقاً بين كآبة الكساد الكبير في شيكاغو وألوان النيون الجريئة التي تظهر مع تطور شخصية العروس. وأن المكياج لم يكن لإخفاء العيوب بل لإبرازها كعلامات قوة. وكانت أزياء جيسي باكلي تعكس تحولها من جثة هامدة إلى أيقونة تمرد. وكانت مذهلة في تحولاتها بين البراءة والوحشية بسلاسة. أما كريستيان بيل كاد يختفي تماماً خلف الشخصية، مقدماً نسخة من فرانكشتاين هشة، عاطفية، ومثيرة للشفقة.
تمثل الدكتورة يوفرونيوس “أنيت بينينج” الجانب المختبري البارد والعقلاني من عملية الخلق، بينما يمثل فرانكشتاين “كريستيان بيل “الجانب العاطفي والاحتياج الوجداني.
هنا الدكتورة يوفرونيوس ليست مجرد عالمة مجنونة بالمعنى التقليدي، بل هي تجسيد للهوس بالكمال التقني. هي ضحية طموحها باعتقادها أن إعادة إحياء جسد ميت يمنحها سلطة مطلقة على الروح أيضاً، لكنها اكتشفت أن الحياة حين تنبثق، تمتلك إرادتها الخاصة التي لا تخضع لدفاتر المختبر. وفي سعيها لتحقيق المعجزة، غفلت عن التبعات الوجودية. هي خلقت كائناً ولم تخلق إنساناً متصالحاً مع ماضيه، وهذا التناقض هو ما أدى إلى الانفجار الدرامي في الفيلم.
إخراج بارع
ما يميز رؤية ماجي جيلينهال أنها جعلت من الخلق عملية مؤلمة للطرفين. جماليات الفيلم في لحظات المواجهة بين يوفرونيوس والعروس تعكس هذا التوتر؛ فبينما تحاول الدكتورة الحفاظ على نظام التجربة، تفرض العروس فوضى الحياة الحقيقية.
هذا التمرد الذي تمارسه العروس هو في الحقيقة عقاب ليوفرونيوس على جرأتها في لعب دور القدر. وهنا تكمن تراجيديا الخالق في كل العصور؛ إنه يظن أن إتقان الصنعة يمنحه حق الوصاية على المصنوع، وهو ما يتجلى في محاولات الدكتورة يوفرونيوس لقولبة العروس ضمن معايير معينة من الجمال والسلوك والامتنان.
لكن الفيلم بذكاء شديد، يحول هذه القولبة الذهبية وقوداً للانفجار. فالفيلم لا يصور تمرد العروس كفعل عنيف فحسب، بل كفعل استكشافي. هي لا تحطم القيود لأنها تكره يوفرونيوس، بل لأنها تكتشف أبعاداً في روحها لم توضع في كتالوج التصنيع. هذا التناقض بين الجسد الذي خيط بإبرة بشرية، والروح التي تحلق خارج المختبر، هو ما يعطي الفيلم طابعه الشاعري الحزين. يوفرونيوس وفرانكشتاين أرادا خلق نسخة مثالية، والكمال في نظرهما يعني الطاعة والانسجام. لكن الروح في الفيلم تثبت أن قيمتها تكمن في نقصها وعفويتها، وليس في دقة توصيلاتها الكهربائية.
من هنا نجد أن الفيلم يطرح تساؤلاً مخيفاً؛ هل نحن، في مجتمعاتنا الحديثة، نعيش داخل مختبر كبير تشرف عليه يوفرونيوس معاصرة تحاول قولبتنا، هذا التماس بين كلاسيكية القصة وعصرنا الحالي هو ما يجعل رؤية ماجي جيلينهال نابضة بالحياة.

التعليقات