التخطي إلى المحتوى

الرباط – أطلعت رئيسة الحكومة المغربية المكلفة فاطمة الزهراء المنصوري، الأربعاء، العاهل المغربي الملك محمد السادس، على آخر تطورات المشاورات السياسية لتشكيل الحكومة الجديدة، عقب نجاحها في التوصل إلى اتفاق بين أربعة أحزاب لتشكيل أغلبية برلمانية يمهد لبناء ائتلاف حكومي، في خطوة تعكس تقدما في مسار تشكيل الحكومة ضمن مرحلة تحظى باهتمام ملكي مباشر، في ضوء التوجيهات والرؤية التي حددها الملك في خطابه الأخير بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية الجديدة.

واستقبل الملك محمد السادس، المنصوري بالقصر الملكي في الرباط، حيث أعرب عن تمنياته لها بالتوفيق والنجاح في مهمتها، مؤكدا ضرورة التعبئة الشاملة والتحلي بالجدية والمسؤولية في الأداء الحكومي، بما يستجيب لحجم التحديات والانتظارات التي تواجه المملكة.

ويأتي هذا التوجيه في سياق التأكيد على أهمية الانتقال من مشاورات تشكيل الأغلبية إلى بلورة برنامج حكومي قادر على مواكبة الأولويات الوطنية وتنفيذ الرؤية الملكية، كما وردت في الخطاب الافتتاحي للدورة التشريعية، بما يعزز فعالية العمل الحكومي ويربط الالتزامات السياسية بالنتائج الملموسة.

وتمكنت المنصوري من تحقيق تقدم سريع في مشاورات تشكيل الحكومة، إذ نجحت عقب جولتين من المباحثات السياسية في التوصل إلى اتفاق لتشكيل أغلبية تضم أحزاب الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية.

ويمنح هذا التحالف الحكومة المرتقبة قاعدة برلمانية من 207 مقاعد من أصل 395، متجاوزاً الأغلبية المطلوبة، وهو ما يوفر أساساً سياسياً يسمح بالمضي نحو استكمال التشكيلة الوزارية وإعداد البرنامج الحكومي.

ويشكل نجاح المنصوري في جمع هذه الأحزاب خلال أقل من أسبوعين من تعيينها رئيسة للحكومة في 29 سبتمبر/أيلول الماضي مؤشراً أولياً على قدرتها على إدارة التفاوض السياسي وتقريب المواقف بين أطراف تختلف في مرجعياتها وتجاربها الحزبية.

كما يعكس التوصل السريع إلى اتفاق بشأن الأغلبية رغبة الأطراف المشاركة في تجنب إطالة المشاورات، والانتقال إلى مرحلة العمل الحكومي في وقت تواجه فيه المملكة استحقاقات اقتصادية واجتماعية وتنموية متزايدة.

وكانت الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 سبتمبر/أيلول قد أسفرت عن تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج بحصوله على 97 مقعداً، ما مهد لتعيين المنصوري أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في تاريخ المغرب، في خطوة حملت دلالات سياسية ومؤسساتية تتصل بتطور حضور المرأة في مواقع القرار.

ولا يقتصر هذا التحول على البعد الرمزي لتولي امرأة رئاسة السلطة التنفيذية، بل يمتد إلى قدرتها على قيادة التفاهمات الحزبية وتشكيل أغلبية قادرة على دعم الحكومة داخل البرلمان، وهو اختبار سياسي أول نجحت المنصوري في اجتياز مرحلته المتعلقة ببناء التحالف.

غير أن الاتفاق على الأغلبية لا يعني اكتمال تشكيل الحكومة، إذ لا تزال المشاورات المتعلقة باختيار الوزراء وتوزيع الحقائب وإعداد البرنامج الحكومي تمثل خطوات أساسية قبل الانتقال إلى مباشرة العمل التنفيذي.

وتنتظر الحكومة الجديدة ملفات تتعلق بتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، وتوفير فرص العمل، وتعزيز العدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق التنموية بين المناطق، إلى جانب مواصلة المشاريع الاستراتيجية الكبرى والاستعدادات لاستضافة كأس العالم 2030 بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال.

ويكتسب تأكيد الملك محمد السادس على المسؤولية الحكومية والتعبئة الشاملة أهمية خاصة في هذا السياق، إذ يضع المرحلة المقبلة أمام معيار الإنجاز والاستجابة الفعلية لانتظارات المواطنين، وليس الاكتفاء بالتوافقات السياسية التي أفضت إلى تشكيل الأغلبية.

ويأتي الاستقبال الملكي في إطار الصلاحيات الدستورية للملك وحرصه على ضمان السير المنتظم للمؤسسات، فيما تدخل المنصوري مرحلة جديدة من مهمتها السياسية، تنتقل فيها من نجاحها في جمع الأحزاب حول أغلبية برلمانية إلى اختبار قدرتها على تشكيل فريق حكومي منسجم وتحويل التفاهمات إلى سياسات ونتائج ملموسة.

وبين سرعة التوافق السياسي وحجم المسؤوليات المنتظرة، تبدو التجربة الحكومية الجديدة أمام فرصة لإثبات أن نجاح المشاورات يمكن أن يشكل بداية لمرحلة من العمل المؤسساتي الفعال، وأن وصول المرأة المغربية إلى رئاسة الحكومة لا يمثل إنجازاً تاريخياً في حد ذاته فحسب، بل فرصة لترسيخ حضورها القيادي من خلال الأداء والنتائج.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *