التخطي إلى المحتوى

لم يكن جوزيف غوبلز أول من استخدم الإعلام للتأثير في الجمهور، لكنه كان من أبرز من أدركوا أن القوة لا تكمن في الرسالة وحدها، بل في الوسيلة التي تحملها، والصورة التي تجعلها مقنعة، فالفكرة لا تحتاج دائماً إلى خطاب سياسي مباشر كي تترسخ؛ قد تكفي قصة مؤثرة، أو بطل يحظى بالإعجاب، أو عدو يظهر مراراً بوصفه تهديداً لا يمكن تجاهله.

خلال الحرب العالمية الأولى، استخدمت دول عدة الصحف والملصقات والأفلام والخطب لحشد الجمهور. لكن النظام النازي نقل هذا الاستخدام إلى مستوى أكثر مركزية وتنظيماً. فمنذ عام 1933، امتدت الدعاية الألمانية إلى الصحافة والإذاعة والسينما والمسرح والكتب، بهدف بناء صورة متكاملة عن الوطن والزعيم والعدو. لم يكن غوبلز مخترع الدعاية، لكن تجربته أظهرت كيف يمكن دمج وسائل الإعلام في منظومة واحدة لتكرار الرسائل وتوجيه المشاعر، بما في ذلك لدى الشباب.

لم تكن الولايات المتحدة وبريطانيا وبقية القوى المتحالفة خارج هذا المجال، فقد استخدمت بدورها أجهزة رسمية للإعلام والتعبئة خلال الحرب العالمية الثانية، واستعانت الولايات المتحدة بالأفلام والصور والتعاون مع صناعة السينما لخدمة أهداف الحرب. لم تكن هذه التجارب مطابقة للنموذج النازي في طبيعتها أو درجة السيطرة، لكنها كشفت إدراك الدول لأهمية الوصول إلى الجمهور عبر الوسائل التي يتابعها ويثق بها.

ومع صعود هوليوود، ازدادت قدرة الترفيه على تقديم أفكار سياسية من دون أن تبدو كأنها خطابات سياسية، فالفيلم يستطيع أن يجعل الجمهور يتعاطف مع جندي أو يثق بمؤسسة أو يخشى خصماً، من خلال الشخصيات والموسيقى والأحداث. كما أن تعاون بعض الإنتاجات مع المؤسسات العسكرية قد يؤثر في طريقة تصويرها، من دون أن يعني ذلك أن كل فيلم حربي دعاية حكومية؛ فالأعمال الفنية تختلف في أهدافها ومواقفها، وبعضها ينتقد الحرب والمؤسسات نفسها.

وخلال الحرب الباردة، امتد التنافس الأميركي السوفيتي إلى السينما والإذاعة والبرامج الثقافية. سعى كل طرف إلى تقديم نظامه بوصفه نموذجاً يستحق الإعجاب، وتصوير خصمه باعتباره خطراً. ولم تكن الرسالة دائماً مباشرة؛ فقد تسهم قصة عن الحرية أو القمع أو البطولة في بناء تصور سياسي أوسع، حتى عندما يكون العمل موجهاً أساساً للترفيه.

ثم جاءت التلفزة لتجعل الصورة الإخبارية جزءاً أساسياً من فهم الحروب. وأظهرت حرب الخليج عام 1991 كيف يمكن للبث الفضائي أن ينقل مشاهد الصراع إلى الجمهور في الوقت شبه الحقيقي، وإن بقيت التغطية محكومة بإمكانية الوصول إلى الميدان واختيار اللقطات والمعلومات المتاحة. وفي حرب العراق عام 2003، تداخلت الصور الميدانية مع الروايات الرسمية ومشاهد الغزو والانتصار والسيطرة، بينما لم تحظَ جميع جوانب الحرب بالقدر نفسه من الظهور.

لكن صناعة صورة العدو لم تعد محصورة في الأخبار، ففي ألعاب الفيديو، لا يشاهد اللاعب البطل وهو يواجه خصمه فحسب؛ بل يتقمص دوره ويشارك في الصراع داخل عالم صُممت قواعده مسبقاً. وقد وجدت دراسات أن الروس ظهروا بصورة متكررة كأعداء في عينة من ألعاب التصويب بين عامي 2001 و2013، فيما تناولت ألعاب أخرى العراق والشرق الأوسط ضمن سياقات الحروب الإقليمية. وعلى نحو مختلف، طوّر الجيش الأميركي لعبة ‘الجيش الأميركي’ ضمن جهوده للتواصل والتجنيد.

ومع تغير الصراعات، تتغير صورة الخصم في بعض الأفلام والألعاب. ظهر العراق في أعمال مرتبطة بحروب المنطقة، وبرز الروس في قصص أخرى، فيما حضرت الصين ضمن بعض روايات المنافسة الاستراتيجية، وظهرت إيران في أعمال تتناول التوترات الأمنية والسياسية. لا يعني ذلك أن جهة واحدة تبدّل الأعداء بقرار مركزي، أو أن كل عمل يصور دولة بوصفها خصماً هو دعاية، لكن تكرار صورة بلد ما باعتباره مصدر الخطر يثير سؤالاً مهماً: هل يستطيع المشاهد التمييز بين حكومة أو جيش أو سياسة محددة، وبين شعب كامل؟

هنا تكمن المشكلة الأعمق: أن يتحول الخصم في القصة إلى شر مطلق، وأن تختزل مجتمعات كاملة في صورة واحدة، فالدراما تحتاج إلى صراع، لكن المشاهد الشاب الذي يتعرف إلى دول بعيدة من خلال الألعاب والأفلام وحدها قد يخلط بين الخيال والواقع، خصوصاً عندما تغيب الروايات البديلة والسياقات التاريخية.

فتح الإنترنت المجال أمام أصوات جديدة خارج المؤسسات الإعلامية التقليدية، لكنه سهّل أيضاً انتشار الشائعات وحملات التأثير المنسقة. ومع منصات التواصل، لم يعد الأمر متعلقاً بمن ينشر الرسالة فقط، بل بمن يستطيع دفعها إلى الواجهة واستغلال الخوف والغضب لجذب الانتباه. ويضيف الذكاء الاصطناعي قدرة أكبر على إنتاج النصوص والصور والأصوات ومقاطع الفيديو وتخصيصها لجماهير مختلفة، وإن كانت القدرة على إنتاج المحتوى لا تثبت وحدها نجاحه في تغيير الآراء.

على امتداد قرن، انتقل التأثير من الملصق والخطاب إلى السينما والتلفزيون، ثم إلى الألعاب والمنصات والخوارزميات. لكن السؤال الأساسي بقي: من يحدد ما يراه الجمهور، وما الذي يتكرر أمامه، وما الذي لا يراه؟ ليس الخطر في وجود عدو داخل فيلم أو لعبة، بل في أن تتحول صورة متكررة إلى الطريقة الوحيدة التي نفهم بها شعباً أو دولة أو صراعاً. فحين يصبح العالم مقسماً دائماً إلى بطل مطلق وشر مطلق، تكون القصة قد تجاوزت الترفيه إلى تشكيل نظرتنا للواقع.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *