التخطي إلى المحتوى

تشهد الساحة الدولية تحولاً جاداً وحرجاً يمس بنيوية العدالة الجنائية الدولية، عقب إعلان واشنطن فرض عقوبات شاملة على المحكمة الجنائية الدولية وتهديدها المباشر بتفكيكها؛ وذلك على خلفية خطوات المحكمة لملاحقة مسؤولين في الكيان الصهيوني ومسؤولين أميركيين بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

هذا القرار الشديد لا يمثل مجرد إجراءين تنفيذيين أو خلافا سياسيا عابرا، بل يعكس صداماً عميقاً بين مفهومين متناقضين للسيادة: الأول يقوم على استخدام النفوذ الأحادي لحماية الأمن القومي وحلفاء واشنطن، والثاني يقوم على سيادة القانون الدولي والمساواة في المساءلة الجنائية دون استثناء.

إن فرض عقوبات مالية وإدارية أميركية كبيرة وقاسية يضع المحكمة الجنائية الدولية أمام شلل تشغيلي حقيقي وإرباك مؤسسي معقد، فمن الناحية العملية، يعتمد الهيكل المالي والمصرفي العالمي اعتماداً وثيقاً على النظام المالي الأميركي والدولار.

تطبيق هذه العقوبات يعني حظر معاملة القضاة والمدعين العامين مع المؤسسات المصرفية الرئيسية، وتجميد أصول المحكمة أو أصول المسؤولين فيها، فضلاً عن منع استخدام الأنظمة الرقمية والتقنية والخدمات التي تقدمها شركات أميركية.

ورغم أن المحكمة بادرت باتخاذ خطوات احترازية كالانتقال إلى البرمجيات مفتوحة المصدر وتعديل الترتيبات المصرفية، إلا أن الكلفة الإدارية واللوجستية ستكون باهظة، ما قد يعطل التحقيقات الميدانية ويعوق حماية الشهود ويقلص قدرة الادعاء العام على متابعة القضايا المعقدة.

وقد تجلت خطورة الخطوة الأميركية في إثارة موجة رفض دولية عارمة وإبراز تحالف واسع للدول المتمسكة بالمنظومة القضائية الدولية، فقد أصدرت ثماني دول رئيسية بينها قوى غربية بارزة وحلفاء تقليديون لواشنطن — وهي فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا وهولندا والدنمارك إلى جانب كندا واليابان — بياناً مشتركاً حازماً رفضت فيه العقوبات الأميركية بشكل قاطع، وأكدت فيه دعمها الراسخ وغير المشروط لاستقلالية المحكمة الجنائية الدولية ونزاهتها وحيادها كركيزة أساسية للمساءلة الدولية.

وعلى النحو ذاته، أعربت المفوضية الأوروبية والاتحاد الأوروبي عن أسفهما الشديد للقرار الأميركي، ولوّحا بتفعيل آليات وقوانين الحماية الأوروبية وتطبيق آليات حظر امتداد العقوبات لحماية استقلالية عمل القضاة، وضمان استمرار الأنشطة القضائية وتأمين الشركات والمؤسسات الأوروبية المتعاطية مع المحكمة.

ولم تقتصر ردود الفعل على التكتل الأوروبي والغربي فقط، بل تمتد التداعيات إلى مواقف عالمية أخرى حذرت من خطورة هذا المسار على الشرعية الدولية ككل، فقد حذر الأمين العام للأمم المتحدة والأجهزة الدولية التابعة لها من أن هذا التصعيد الأمريكي يشكل ضربة قاصمة لجهود تحقيق العدالة الجنائية الدولية، وينذر بتهديد خطير للنظام القائم على القواعد.

وفي حين رحب الجانب الصهيوني بالقرار ووصف المحكمة بأنها هيئة سياسية تهدد السيادة الوطنية، واصلت منظمات حقوقية عالمية كبرى مثل العفو الدولية والتنسيقيات الحقوقية التنديد بالعقوبات، داعية الدول الأطراف إلى تحويل مواقفها الكلامية إلى آليات تنفيذية تحمي المحكمة ومموليها من الملاحقة الاقتصادية.

هذا الامتداد عابر الحدود للعقوبات يضع الدول الأطراف في نظام روما الأساسي في مواجهة خيار أحكمه الحرج: إما الامتثال للضغوط الأميركية وتجميد التعاون القائم مع المحكمة، وإما حماية العدالة الدولية والمخاطرة بالتعرض للتبعات الاقتصادية والدبلوماسية من جانب واشنطن.

كما يخلق هذا الواقع بيئة طاردة للتمويل؛ إذ ستواجه المنظمات الحقوقية والمدنية ومؤسسات المجتمع المدني التي ترفع الشكاوى أو تجمع الأدلة وتتلقى تمويلاً دولياً، تهديدات حقيقية بحظر حساباتها وتجفيف مصادر تمويلها إذا ما واصلت الشراكة والعمل مع الجنائية الدولية.

وفي ظل هذا المشهد، يتساءل المتابعون عما إذا كانت هذه الخطوة ستفضي إلى شلل تام للذراع القانونية الفلسطينية ومساعيها لملاحقة مجرمي الحرب الصهاينة.

على المستوى الرسمي، ستواجه السلطة الفلسطينية ضغوطاً سياسية ومالية شديدة بهدف إرغامها على تجميد التعاون مع المحكمة، أما على مستوى المنظمات الحقوقية ومؤسسات المجتمع المدني الفلسطينية والدولية، فإن تشديد الخناق المالي والحظر سيزيد من كلفة العمل الميداني والتوثيقي.

ومع ذلك، من الصعب القول بإن الذراع القانونية ستُشل بالكامل؛ وذلك لأن انضمام فلسطين لنظام روما الأساسي يُعد مكسباً قانونياً منجزاً، ولأن الأدلة الموثقة أصبحت مدونة ومحمية قانونياً في السجلات الدولية. غير أن هذا الصراع سينقل المعركة من أروقة التحقيق والادعاء العام إلى مرحلة الإرادة السياسية وقدرة المؤسسات الرسمية والأهلية على الصمود في وجه التضييق والضغوط المالية.

لقد وضعت هذه المواجهة الراهنة القضاء الدولي على المحك وأعادت فتح سؤال الجدوى من المنظومة القضائية متعددة الأطراف. ومن المتوقع أن ينقسم العالم أمام هذه العقوبات إلى جبهتين: جبهة حماية النظام الدولي التي تقودها الدول الأوروبية ودول من أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية لحماية مؤسسات المحكمة وقضاتها وتوفير غطاء قانوني ومالي بديل، وجبهة التحفظ والتكيف التي تضم الدول التي تفضل تجنب الصدام المباشر مع واشنطن، ما قد يضعف فعالية القرارات ومذكرة التوقيف الصادرة عن المحكمة على المدى القريب، فإذا نجحت واشنطن في إضعاف المحكمة أو فرض التراجع عليها، فإن ذلك يعيد المشهد الدولي عقوداً إلى الوراء، حيث يسود منطق القوة وتفرغ المؤسسات الدولية من مضمونها العدلي، لتصبح العدالة مقتصرة على الدول الضعيفة بينما يتمتع القوي بالحصانة المطلقة.

إن أزمة العقوبات على المحكمة الجنائية الدولية لم تعد مجرد مسألة تنظيمية أو ملف قضائي فرعي، بل هي اختبار مفصلي للبنية الأخلاقية والقانونية للعالم بأسره. إن استسلام المجتمع الدولي لتعطيل عمل المحكمة وتفكيك أدواتها يمثل إعلاناً غير مباشر بانتهاء حقبة العدالة الناجزة، وترك الشعوب المظلومة والضحايا دون ملجأ قانوني. وفي المقابل، فإن ثبات المحكمة ودعم الدول الأطراف لها يستلزم تحويل البيانات الرافضة والبيانات المشتركة إلى آليات عمل قانونية واقتصادية ملموسة تُحصّن القضاء الدولي وتحفظ له استقلاليته وهيبته أمام هيمنة السياسة ومصالح القوى العظمى.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *