يمثل إعلان العلمين، الذي وُقّع قبل أيام كجزء من قمة رباعية لقادة مصر والسودان وإريتريا والصومال، تأسيسًا لجبهة إقليمية موحدة ونادرة في القرن الأفريقي وحوض النيل.
ركز إعلان القمة على صياغة موقف صارم ضد التهديدات الإقليمية المشتركة والحفاظ على وحدة الصومال، ورفضت بشكل قاطع أي اعتراف بمنطقة الصومال المتمردة، أو ما يعرف بجمهورية أرض الصومال غير المعترف بها سوى من جانب إسرائيل فقط.
كما استبعد أي خطوة أحادية الجانب تضر بحصص المياه في مصر والسودان، وهو تحدٍّ مباشر لمشروع سد النهضة الإثيوبي. وبالنسبة لأمن البحر الأحمر، أكد الإعلان أن حوكمة البحر الأحمر تقع ضمن المسؤولية الحصرية للدول المشاطئة، مع التأكيد على حرية الملاحة، مع معارضة التدخل الخارجي.
إسرائيل وإثيوبيا هما المستهدفان الرئيسيان من هذا الإعلان، الذي وإن كان لم يضع خطوطًا حمراء حاسمة، إلا أنه رسم خريطة استباقية لأسباب الصدام المحتملة استنادًا على القوانين والأعراف الدولية، إذا ما قرر أحد الأطراف التجاوز في طموحاته.
هذا الإعلان قد يزيد من العزلة السياسية والضغط العسكري والاقتصادي على حكومة أديس أبابا، مما يضعفها إقليميًا ويقلل من مساحة المناورة والعمق الاستراتيجي لتل أبيب في القارة. ولدى الطرفين مسار طويل من العلاقات الاستراتيجية المبنية على ‘عقيدة الأطراف’ لبن غوريون، التي دعت إلى التحالفات مع دول غير عربية في الشرق الأوسط وأفريقيا، وقد ترسخت هذه العلاقة منذ عمليات تهجير يهود الفلاشا في ثمانينيات القرن الماضي. وتعتبر إثيوبيا صوتًا مهمًا في الاتحاد الأفريقي (الذي يقع مقره في أديس أبابا) وفي المنتديات الدولية، ودعمها يعزز المكانة الدبلوماسية لإسرائيل في القارة.
كما أن تصنيف البحر الأحمر كمجال النفوذ الحصري للدول الساحلية (بما في ذلك مصر والسودان وإريتريا) يحد من خطط إسرائيل لترسيخ تواجدها البحري، ويجعل من الصعب عليها إنشاء أصول أمنية أو استخباراتية أو مشاركة بحرية علنية في جنوب البحر الأحمر، وهو محور حيوي للدفاع عن طرقها التجارية ومراقبة والتصدي لهجمات الحوثيين التي تستهدف المدن الإسرائيلية.
وفي ما يتعلق بقضية أرض الصومال، فهو يمثل موقفًا إقليميًا واضحًا ضد منحه اعترافًا جديدًا، وهو في الوقت نفسه يذكر أديس أبابا بأن طموحها للوصول لمنفذ لها على البحر لن يمر سوى عبر التنسيق مع الدول المتشاطئة له.
وحاولت إثيوبيا الحصول على منفذ على البحر من خلال اتفاقية إيجار مع أرض الصومال. وإحباط هذه الخطوة يضر بقدرة إسرائيل (أو حلفائها) على إنشاء موطئ قدم غير رسمي على شواطئ البحر الأحمر وحتى خليج عدن.
وقد دعمت إسرائيل طموحات إثيوبيا علنًا، حيث أقر سفير إسرائيل لدى أديس أبابا بأن الوصول إلى البحر قد يكون في مصلحة جميع الأطراف المعنية. هذا الدعم يرتكز على اعتبارات استراتيجية عميقة مرتبطة بالصراع من أجل السيطرة على مسارات الملاحة البحرية، وكبح النفوذ الإيراني، وخلق توازن قوى تجاه الدور الذي تقوم به القاهرة استنادًا إلى الشرعية الدولية والقرارات الأممية.
على الرغم من أن مصر وإسرائيل موقعتان على معاهدة سلام، إلا أن القاهرة تعمل باستمرار على تقليل النفوذ الإسرائيلي في القرن الأفريقي، الذي تعتبره “الحديقة الخلفية” لها، والحد من التعاون بين تل أبيب وأديس أبابا التي تعد خصمًا رئيسيًا لها بسبب الصراع الطويل حول مياه النيل ومشروع سد النهضة.
التشابك الجيوسياسي المعقد يعكس التحول من “أزمات إقليمية منفصلة” إلى “مسرح جيوسياسي موحد” يمتد من التيغراي والمحيط الهندي جنوبًا، مرورًا بباب المندب وشبه جزيرة العرب، وصولاً إلى شرق المتوسط شمالاً. وأمام هذا التشابك سنكون أمام ثلاثة سيناريوهات:
الأول: عسكرة الممرات البحرية، وتحول باب المندب وجنوب البحر الأحمر إلى منطقة تجمع عسكري دائم وقواعد للسيطرة والمراقبة، مما يجعل الملاحة البحرية عرضة للاهتزازات المستمرة بناءً على التصعيد بين إيران وحلفائها من جهة، وإسرائيل وحلفائها من جهة أخرى.
الثاني: إعادة رسم تحالفات الإقليم، وقد تشهد الفترة القادمة نشوء تكتلات أمنية جديدة قائمة على “الأمن البحري والمائي”؛ كتكتل (مصر، الصومال، إريتريا، والسودان) لمواجهة التمدد الإثيوبي، مقابل محاور أخرى تركز على النفوذ التجاري والموانئ.
الثالث: استمرار الاستنزاف وحرب النفوذ، وإذا لم تتوافق القوى الكبرى والإقليمية على حل شامل يضمن الأمن المائي للقرن الأفريقي والسلام السياسي في اليمن، فإن هذه الجغرافيا الممتدة ستظل مسرحًا لشرارات متقطعة، حيث تستغل القوى غير الحكومية (كالحوثيين والجماعات المسلحة) الخلافات بين الدول المجاورة لتثبيت أقدامها، على حساب الاستقرار الإقليمي وبما يهدد طرق التجارة العالمية.
في الحقيقة، فإن الممر المائي في باب المندب لم يعد مجرد خط تنقل تجاري، بل أصبح محور الارتكاز الأمني لكل الدول المطلة عليه. وسيطرة الحوثيين على أجزاء واسعة من الساحل الغربي لليمن زادت من هشاشة الملاحة، مما دفع القوى الإقليمية للبحث عن خيارات أمنية موازية على الضفة المقابلة في أفريقيا (إريتريا، الصومال، أرض الصومال، وجيبوتي). هذا التداخل جعل أي صراع في الضفة اليمنية يمتد أثره فورًا إلى ضفة القرن الأفريقي والعكس.
ما زالت خريطة التحالفات المعقدة تتفاعل في المنطقة الممتدة من اليمن إلى القرن الأفريقي. وفي الخلف من هذا المشهد، هناك العديد من القوى الإقليمية والدولية التي يسعى بعضها إلى إيجاد موطئ قدم لها، فيما الآخر يحاول تثبيت تواجده بعد سلسلة من الفشل والإخفاقات السياسية والعسكرية.
وإذا كانت قمة العلمين تسعى إلى بناء “جدار دفاعي” عربي – أفريقي في القرن الأفريقي، لمواجهة الخطوات الإسرائيلية والإثيوبية المتصاعدة في الإقليم، أمام أي تحركات تهدد الاستقرار الإقليمي أو الملاحة، فإن هذا قد لا يمنع من تحويل البحر الأحمر وخليج عدن تدريجيًا إلى ساحة للمنافسة الإقليمية والدولية المتزايدة.

التعليقات