التخطي إلى المحتوى

عندما يصبح الاحتيال صناعة تستهدف العمر .. سرقة مدخرات كبار السن

قضت أستاذة جامعية أمريكية عقودًا من حياتها في دراسة الجريمة وضحاياها، لكنها لم تتخيل أن تصبح يومًا ضحية لعملية احتيال تسلبها مدخرات عمرها، بل وتدفعها إلى الاقتراض بضمان منزلها الذي انتهت من سداد ثمنه.

لم تكن المرأة، التي تجاوزت السبعين، تفتقر إلى التعليم أو المعرفة بأساليب المجرمين؛ فهي أستاذة متخصصة في علم الجريمة ودراسة الضحايا.


ومع ذلك، نجح محتالون في الاستيلاء على أكثر من 500 ألف دولار من أموالها، قبل أن يتمكن مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي من إقناعها بأنها تعرضت للاحتيال.


هذه الواقعة، التي كشف عنها المكتب في مايو 2026، ليست سوى واحدة من سلسلة جرائم تستهدف أشخاصًا أمضوا عقودًا في تكوين مدخراتهم، مستغلة الخوف والثقة لدفعهم إلى تسليم أموالهم بأنفسهم.


ومع اتساع استخدام التكنولوجيا وتطور أساليب الخداع، لم يعد الاحتيال على كبار السن يقتصر على مكالمة أو رسالة هاتفية، بل امتد إلى شبكات منظمة تعمل عبر الحدود، وتستهدف حسابات التقاعد والاستثمارات والمنازل التي تمثل حصيلة عقود من العمل.


اختفاء المليارات من حسابات المتقاعدين


تكشف أحدث بيانات مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي عن حجم هذه الظاهرة؛ إذ سجل مركز شكاوى جرائم الإنترنت أكثر من 201 ألف شكوى من أشخاص تبلغ أعمارهم 60 عامًا فأكثر خلال 2025، بخسائر بلغت نحو 7.75 مليار دولار.


وارتفعت الخسائر المُبلّغ عنها بنسبة 59% مقارنة بعام 2024، بينما زاد عدد الشكاوى بنسبة 37%، وبلغ متوسط الخسارة نحو 38.5 ألف دولار، في حين تجاوزت خسائر أكثر من 12.4 ألف مُبلِّغ حاجز 100 ألف دولار لكلٍ منهم.

 

متوسط خسائر الأفراد بسبب الاحتيال في الولايات المتحدة وفقًا لبيانات 2024:









الفئة العمرية

 متوسط خسارة الفرد (بالدولار الأمريكي)

40–49 عامًا

 500

50–59 عامًا

520

60–69 عامًا

691

70–79 عامًا

1,000

80 عامًا فأكثر

1,650


لكن هذه الأرقام لا تكشف بالضرورة عن الحجم الكامل للمشكلة؛ نظرًا لأن بعض عمليات الاحتيال لا تصل إلى الجهات المختصة، كما أن بعض الضحايا لا يكتشفون الخداع إلا بعد مرور وقت طويل.


وفي تقرير أصدرته لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية في ديسمبر 2025، قدّرت اللجنة الخسائر الإجمالية المحتملة للاحتيال على كبار السن خلال 2024 بما يتراوح بين 10.1 و81.5 مليار دولار، تبعًا للافتراضات المستخدمة بشأن الحالات التي لم يُبلّغ عنها.


أما الخسائر التي أُبلغت بها اللجنة بالفعل، فقد ارتفعت من نحو 600 مليون دولار في 2020 إلى 2.4 مليار دولار في 2024، مدفوعة بزيادة الحالات التي فقد أصحابها مبالغ ضخمة.


وتختلف هذه الأرقام عن بيانات مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي بسبب اختلاف نطاق الرصد وطريقة احتساب الخسائر؛ فبينما يركز تقرير المكتب على جرائم الإنترنت التي يتلقى بلاغات بشأنها، تشمل بيانات لجنة التجارة الفيدرالية نطاقًا أوسع من أساليب الاحتيال.


احتيال عابر للقارات


تكشف الأرقام من دول مختلفة أن استهداف كبار السن لم يعد ظاهرة مرتبطة بسوق أو مجتمع بعينه، بل أصبح نمطًا يتكرر عبر قارات متعددة، وإن اختلفت أدواته من بلد إلى آخر.


وتزداد خطورة هذه الجرائم مع تقدم الضحايا في العمر؛ ففي الولايات المتحدة، تجاوز متوسط الخسارة الفردية المُبلّغ عنها لمن يبلغون الثمانين عامًا فأكثر 1600 دولار خلال 2024، ما يعكس حجم الضرر المالي الذي قد يتعرض له كبار السن عند وقوعهم ضحايا للاحتيال.


وفي أستراليا، كشف المركز الوطني لمكافحة الاحتيال أن الأشخاص البالغين 65 عامًا فأكثر، الذين يشكلون نحو 17.1% من السكان، استحوذوا على 26.5% من إجمالي الخسائر المبلغ عنها لخدمة “سكام ووتش” خلال 2025.


أما في سنغافورة، فأظهرت البيانات الرسمية أن كبار السن سجلوا أعلى متوسط خسارة بين الفئات العمرية خلال العام نفسه، بنحو 37 ألف دولار سنغافوري للضحية، رغم أنهم مثلوا نحو 15% فقط من إجمالي الضحايا.


من خداع فردي إلى شبكات إجرامية


لم يعد المحتال بحاجة إلى مقابلة ضحيته؛ فقد تبدأ العملية باتصال يبدو عائليًا، ثم تنتقل إلى أشخاص ينتحلون صفات محامين أو موظفين حكوميين، قبل أن تنتهي بتسليم الأموال إلى وسطاء يتولون نقلها وغسلها.



وفي يوليو 2026، أعلنت وزارة العدل الأمريكية إقرار أربعة أشخاص بالذنب في قضية شبكة احتيال كانت تعمل من جمهورية الدومينيكان، واستهدفت أكثر من 400 مسن أمريكي، بمتوسط أعمار بلغ 84 عامًا، وتسببت في خسائر تجاوزت 5 ملايين دولار.


وكانت الشبكة تستخدم موظفين موزعين على أدوار محددة؛ يبدأ أحدهم بالاتصال مدعيًا أنه حفيد تعرض لحادث، ثم يتدخل شخص آخر بصفة محامٍ للمطالبة بأموال عاجلة.


وبعد ذلك، يتولى وسطاء جمع المبالغ النقدية ونقلها، وفي بعض الحالات يعود المحتالون إلى الضحية لطلب مزيد من الأموال بحجج جديدة.


ومثل تلك الوقائع تكشف كيف تحولت عمليات الاحتيال من جهود فردية إلى نشاط منظم تتوزع فيه المسؤوليات بين أشخاص يعملون في دول مختلفة.


الخوف مفتاح الحساب المصرفي


من أخطر أساليب الاحتيال الحديثة إقناع الضحية بأنها لا تتعرض للسرقة، وإنما تحاول حماية أموالها من خطر وشيك.


وتكشف بيانات لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية عن تنامي هذا النوع من الخداع؛ إذ ارتفع عدد البلاغات المقدمة من كبار السن الذين خسروا 10 آلاف دولار أو أكثر بسبب انتحال صفة شركات أو جهات حكومية بأكثر من أربعة أضعاف بين عامي 2020 و2024.


وكانت الحالات التي تجاوزت خسارة الواحدة منها 100 ألف دولار الأكثر إثارة للقلق، بعدما قفز إجمالي المبالغ المسروقة فيها من 55 مليون دولار إلى 445 مليون دولار خلال الفترة نفسها.


وغالبًا ما تبدأ هذه العمليات برسالة أو مكالمة تحذر الضحية من اختراق حسابها المصرفي أو تورطها في قضية جنائية، قبل أن يقنعها المحتالون بتحويل مدخراتها إلى حساب آخر بحجة حمايتها من السرقة أو المصادرة.



ولا يتوقف استهداف المدخرات عند انتحال الصفات الرسمية، بل يمتد إلى الاستثمارات والعملات المشفرة؛ ففي 2025، تجاوزت خسائر كبار السن التي جرى الإبلاغ عنها جراء الاحتيال الاستثماري نحو 3.5 مليار دولار.


كما تخطت خسائر عمليات الاحتيال التي كانت العملات المشفرة أحد عناصرها 4.3 مليار دولار، وفقًا لمكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي.


صعوبة استرداد الأموال المسروقة


تكمن قسوة هذه الجرائم في أن الضحية قد تفقد المال والقدرة على استعادة استقلالها المالي في الوقت نفسه.


ويروي “رون ميلر”، العميل الخاص بمكتب التحقيقات الفيدرالي الذي كشف قضية الأستاذة الجامعية، أن المحتالين أقنعوها بأن بياناتها مرتبطة بجرائم تهريب مخدرات وغسل أموال، وأن عليها التعاون سرًا مع السلطات لحماية ممتلكاتها.


ويحذر “ميلر” من أن استعادة الأموال المسروقة، خصوصًا عندما تصل إلى شبكات خارج البلاد، مهمة بالغة الصعوبة، مؤكدًا أن الإبلاغ السريع قد يساعد في بعض الحالات، لكنه لا يضمن إعادة الأموال.


هل يمكن إيقاف سرقة مدخرات العمر؟


رغم ضخامة الخسائر، تكشف بعض التجارب عن إمكانية الحد من نشاط شبكات الاحتيال عبر التدخل المبكر والتعاون بين الجهات المختصة.



ففي أستراليا، أحال المركز الوطني لمكافحة الاحتيال أكثر من 8400 موقع إلكتروني مشبوه للفحص خلال 2025، ما أسفر عن إزالة أكثر من 7500 رابط احتيالي، كما أُحيلت آلاف الروابط المرتبطة بموقع فيسبوك للتحقيق.


وتوصي لجنة التجارة الفيدرالية بعدم تحويل الأموال استجابة لاتصال مفاجئ، مهما كانت صفة المتصل، مع ضرورة التواصل مباشرة مع البنك أو المؤسسة باستخدام وسائل الاتصال الرسمية للتحقق من أي تحذير.


غير أن التحدي يتجاوز إجراءات الحماية التقنية؛ ففي قضية الأستاذة الجامعية، تجاهلت الضحية اتصالات المحقق الفيدرالي الحقيقي لأنها كانت مقتنعة برواية المحتالين، ولم تدرك الحقيقة إلا بعد لقاء مباشر معه.


وهنا تظهر المفارقة الأكثر إيلامًا؛ فالمجرمون لم يسرقوا الأموال فقط، بل نجحوا مؤقتًا في جعل الشخص الوحيد الذي حاول إنقاذها يبدو أقل مصداقية منهم.


ولعل السؤال الذي تفرضه هذه الجرائم لم يعد كيف نحمي الحسابات المصرفية من الاختراق، وإنما كيف نحافظ على قدرة الإنسان على التمييز بين من يريد حمايته ومن يخطط لسرقته، في مرحلة من العمر يصبح فيها فقدان المدخرات خسارة لسنوات لا يمكن استعادتها.


المصادر: أرقام- لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية- مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي- هيئة المنافسة والمستهلك الأسترالية- وزارة الداخلية السنغافورية- وزارة العدل الأمريكية

للمزيد من المقالات

اضغط هنا

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *