التخطي إلى المحتوى

وُلد هنري كاغان عام 1930 في فرنسا، ودرس في السوربون ثم حصل على الدكتوراه من كوليج دو فرانس عام 1960. أمضى معظم مسيرته في جامعة باريس-سود في أورساي، حيث أسس مختبر التخليق غير المتماثل، وأصبح من أبرز رواد التحفيز غير المتماثل.

وكان من أبرز إنجازاته المبكرة تطويره، مع تاي-بينغ دانغ، مركب “DIOP” عام 1971، وهو رابط كيميائي مراوان سمح بتوجيه التفاعلات نحو إنتاج أحد الشكلين المرآتيين بنسبة أعلى من الآخر. وقد مثّل ذلك محطة مهمة في تطوير التخليق غير المتماثل، ومهّد الطريق أمام أساليب أصبحت لاحقاً ذات أهمية كبيرة في تصنيع المركبات الدوائية.

كما ارتبط اسم كاغان بكاشف يوديد الساماريوم الثنائي، المعروف باسم “كاشف كاغان”، والذي أُدخل إلى الكيمياء العضوية في سبعينيات القرن الماضي واستخدم لاحقاً على نطاق واسع في تفاعلات الاختزال وبناء الروابط الكربونية وتخليق المنتجات الطبيعية.

لكن العمل الذي يرتبط مباشرة بجائزة 2026 يتعلق بما يسمى “التأثيرات غير الخطية”. وفي عام 1986 نشر كاغان وزملاؤه دراسة في مجلة الجمعية الكيميائية الأميركية أظهرت أن العلاقة بين مقدار المادة المحفزة ونسبة الشكلين المرآتيين الناتجين ليست دائماً علاقة بسيطة أو مباشرة.

أما كينسو سواي، المولود في هيروشيما عام 1950، فقد درس في جامعة طوكيو وحصل منها على الدكتوراه عام 1979 تحت إشراف الكيميائي تيراكي موكاياما. وأجرى أبحاثاً لاحقة في جامعة نورث كارولاينا قبل أن ينضم عام 1981 إلى جامعة علوم طوكيو، حيث أصبح أستاذاً عام 1991.

وفي عام 1990 سجل سواي وزملاؤه أول مثال على التحفيز الذاتي غير المتماثل في تفاعل كيميائي، عندما وجدوا أن ناتج التفاعل يمكن أن يساعد في تحفيز تكوين المزيد من نفسه. لكن القفزة الكبرى جاءت عام 1995 مع اكتشاف ما أصبح يعرف باسم “تفاعل سواي”.

في هذا التفاعل يتفاعل مركب يسمى “بيريميدين-5-كربالدهيد” مع ثنائي إيزوبروبيل الزنك، بوجود كمية صغيرة من كحول بيريميديني مراوان. المثير أن الناتج نفسه يصبح محفزاً للتفاعل، فينتج المزيد من الجزيئات ذات الشكل المرآتي نفسه.

وهنا تظهر فكرة “التحفيز الذاتي”: المنتج لا يكون مجرد نهاية للتفاعل، بل يتحول إلى أداة تساعد على إنتاج المزيد منه. ومع كل دورة يمكن أن يتضخم الانحياز الأولي، فيتحول فرق صغير جداً بين الشكلين إلى تفوق هائل لأحدهما.

وأظهرت تجارب لاحقة أن هذه العملية تستطيع تضخيم انحياز مرآتي ضئيل للغاية. وفي أنظمة محسنة أمكن الانتقال من فائض مرآتي يقارب 0.00005% إلى أكثر من 99.5%، وهو تضخيم مذهل جعل تفاعل سواي نموذجاً أساسياً لدراسة كيفية ظهور “اليدوية” الجزيئية في الطبيعة.

وهنا تكمن الصلة بأصل الحياة. فالأحماض الأمينية والسكريات الموجودة في الكائنات الحية تظهر بدرجة لافتة في شكل جزيئي واحد، رغم وجود شكل مرآتي آخر. ويعرف هذا باسم “التجانس المرآتي الحيوي”، وظلت كيفية نشوء هذا الانحياز الكيميائي من الأسئلة المفتوحة في أبحاث أصل الحياة.

وقد أظهرت أبحاث سواي أن الضوء المستقطب دائرياً، وبعض البلورات، وحتى فروقاً جزيئية شديدة الضآلة يمكن أن تبدأ عملية تضخيم تقود إلى سيطرة أحد الشكلين. ولا يعني ذلك أن العلماء أثبتوا أن تفاعل سواي هو الذي أنتج أول جزيئات الحياة، لكنه يقدم نموذجاً تجريبياً لكيف يمكن لانحياز أولي صغير أن يتضخم كيميائياً.

أما بالنسبة إلى الطب والصناعة، فتسمح الكيمياء غير المتماثلة بإنتاج جزيئات ذات “يدوية” محددة، وهو أمر مهم عند تصنيع مواد فعالة بيولوجياً، بما فيها مركبات دوائية. وكان كاغان قد أسهم منذ عقود في تطوير هذا المجال، حتى حصل عام 2001، إلى جانب ريوجي نويوري وباري شاربلس، على جائزة وولف في الكيمياء تقديراً لأعمالهم الرائدة في التحفيز غير المتماثل.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *