الأدب منبر الحياة ومرآتها، يستمد مادته من الإنسان في أفراحه وآلامه وقضاياه، ولذلك كانت صلته بالحياة وثيقة؛ فهو ليس وعاءً للفن والشاعرية فحسب، بل موطن للفكر، وبوتقة تنصهر فيها التجارب الإنسانية، ومنها ينبثق الإبداع الذي يسهم في فهم الحياة وتقويمها. ومن هنا كان طبيعيًا أن يتصل الأدب بالطب، لأن كليهما يتخذ الإنسان موضوعًا وغاية.
نشأ الطب مع الإنسان، حين واجه المرض والألم وحاول مقاومته بما أوتي من تجربة ومعرفة. وقد ارتبط في الحضارات القديمة بالحكمة والكهانة، وظل الطبيب في كثير من العصور جامعًا بين العلم والأدب والفلسفة. ومن هنا ظهر نموذج الطبيب الأديب أو الأديب الطبيب، وإن غلبت إحدى الصفتين على الأخرى في الشهرة.
والطبيب أخصب الناس مادةً أدبية؛ فهو لا يحتاج إلى البحث في ملفات الشرطة أو التنقيب في الحكايات ليستمد منها مادة قصصية، لأن بين يديه ملفات إنسانية حية: أجساد تتألم، ونفوس تخاف، وقلوب ترجو، وأسرار تُبوح بها في لحظات الضعف. وهو يرى الإنسان مجردًا من أقنعته التي تصنعها الصحة والمال والسلطة، فتمنحه مهنته خبرة إنسانية عميقة يمكن أن تتحول إلى أدب إذا امتلك القدرة على صياغتها فنيًا، مع احترام سر المهنة وحرمة المرضى.
وقد عرفت الفلسفة اليونانية تصورات تربط الطب بالإلهام والرؤى؛ إذ كان يُعتقد أن العلاج قد يأتي في عالم الأحلام. ويشبه ذلك، في التصور الأدبي القديم، فكرة الإلهام وشيطان الشعر الذي يفتح أبواب القريحة. وليس بعيدًا عن ذلك إطلاق العرب لقب الحكيم على الطبيب الحاذق، بما يدل على الصلة بين الطب والحكمة.
ومن الشواهد على اتساع ثقافة الطبيب ما نُسب إلى حنين بن إسحاق في إعداد الحكماء، إذ جعل من العلوم التي يتعلمها المتعلم: الخط، والشعر، والنحو، والحساب، والهندسة، والنجوم، والموسيقى، والمنطق، والفلسفة، إلى جانب العلوم الأخرى، في تصور يقوم على تكامل المعارف.
وإذا تتبعنا العلاقة بين الطب والأدب، ولا سيما الشعر، وجدنا بين الطبيب والشاعر وجوهًا من التشابه؛ فكلاهما يعتمد على دقة الملاحظة والحدس والنفاذ إلى دقائق الأشياء. فالطبيب يلاحظ أعراض المرض ليعالج الجسد، والشاعر يلاحظ أمراض المجتمع ليعالجها بالكلمة. وكلاهما يحاول أن يكشف ما خفي: الطبيب علة الجسد، والشاعر علة الروح.
ولهذا كثر الأطباء الشعراء والأدباء؛ فـالحارث بن كلدة الثقفي كان طبيبًا وحكيمًا وأديبًا، غير أن الطب غلب عليه في الشهرة، بينما كان أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسي طبيبًا وشاعرًا وفيلسوفًا وناقدًا، فغلب الشعر على شهرته.
وقد لخّص أحد الأدباء العلاقة بين المجالين بقوله: “إن الأديب والطبيب أشبه بنحلتين تحومان حول زهرة واحدة، تمتصان رحيقها لتسكباه عسلًا صافيًا في إناءين مختلفين؛ فالإنسان والحياة مصدرهما، وإن اختلفت وسيلة التعبير”.
وسُئل الطبيب الشاعر إبراهيم ناجي عن الجمع بين الطب والشعر، فقال:
الناس تسأل.. والهواجس جمة طب وشعر كيف يتفقان؟
الشعر مرحمة النفوس وسرّه هبة السماء ومنحة الديان
والطب مرحمة الجسوم ونبعه من ذلك الفيض العلي الشأن
ومن الغمام ومن معين خلفه يجدان إلهامًا ويستقيان.
فالشعر عند ناجي رحمة للنفوس، والطب رحمة للأجسام، وكلاهما يصدر عن معين واحد هو الرحمة.
ويقول الطبيب الشاعر وجيه البارودي:
أتيت إلى الدنيا طبيبًا وشاعرًا أداوي بطبّي الجسم، والروح بالشعر
أروح على المحموم أشفي أوامه بأجمع ما أوتيت من قوة الفكر
فأسقيه من روحي رحيقًا ومن يدي مريرًا، فيُشفى بالرحيق وبالمُرّ.
أما محمد حكمت وليد فيقول:
خُلق القلب أديبًا لم يكن يومًا طبيبًا
غير أن الله لما قسم الطب نصيبًا
عشق الشعر فؤادي فاكتوى النار لهيبًا
يحمد الطب ولكن يعشق الشعر الحبيبَا.
ويقول الطبيب الشاعر حجر البنعلي:
الطب في القلب والأشعار في صدري كلاهما اقترنا كالدُّرّ في البحر
لم يُزرِ شعرٌ بطبٍّ إن هما اقترنا كأنجم الليل ما ساءت إلى البدر
بل زيّنت دربه زهرًا لبهجته فآنسته برقَصاتٍ إلى الفجر
نفثت شعرًا على داءٍ فسكّنه فالطب مولده أصلًا من السحر
لا أبعد الله عن عقلي وعن بصري طب الحكيم وأبياتًا من الشعر.
وتكشف هذه الشواهد أن الطب والأدب ليسا مجالين متعارضين، بل طريقتان مختلفتان في الاقتراب من الإنسان. فالطب يعالج الجسد، والأدب يواسي الروح، وكلاهما يقوم على الملاحظة والمعرفة والإصغاء إلى الألم.
وقد هيّأت مهنة الطب لأصحابها مادة إنسانية ثرية؛ فهي تضع الطبيب في مواجهة أسئلة الحياة والموت، والمرض والشفاء، والخوف والرجاء. ومن ثم لم يكن مستغربًا أن تخرج من عباءة الطب أجيال من الشعراء والأدباء.
وهكذا يظل الطبيب الأديب واقفًا بين عالمين متكاملين: عالم العلم الذي يكشف علة الجسد، وعالم الأدب الذي يكشف علة الروح. فإذا كان الطبيب يخفف الألم بالدواء، فإن الأديب يخففه بالكلمة، وكلاهما، في أسمى غاياته، فعل رحمة ومعرفة؛ لأن الإنسان هو القضية التي يلتقي عندها الطب والأدب.

التعليقات