التخطي إلى المحتوى

الرياض – فتحت السعودية تحقيقاً في حادثة طائرة تابعة لشركة ‘فلاي دبي’ اضطرت إلى الهبوط اضطرارياً في مدينة تبوك، بعد تعرض قائدها لاعتداء من مساعد الطيار خلال رحلة كانت متجهة من دبي إلى إسرائيل، في خطوة تكتسب أهمية تتجاوز التحقيق في ملابسات الواقعة، لتطرح تساؤلات حول إجراءات السلامة والتعامل مع التهديدات المحتملة داخل الطائرات، خصوصاً مع توسع قطاع الطيران السعودي ودوره المتزايد في حركة النقل الجوي الإقليمية والدولية.

وأفادت ثلاثة مصادر مطلعة بأن خبراء سعوديين يدرسون التداعيات المحتملة للحادثة على سلامة الطيران، بالتوازي مع تحقيق جنائي منفصل تقوده الإمارات. وأكدت السلطات السعودية أن فريق التحقيق بدأ جمع الأدلة وتنسيق العمل مع الجهات المعنية لتحديد ظروف الواقعة، بعدما هبطت الطائرة بسلام في تبوك وعلى متنها 174 راكباً وثمانية من أفراد الطاقم.

وتختلف طبيعة التحقيق السعودي عن المسار الجنائي الإماراتي، إذ تركز تحقيقات السلامة عادة على معرفة أوجه القصور والعوامل التي يمكن أن تحول دون تكرار الحوادث، وليس تحديد المسؤوليات الجنائية. وتكتسب الخطوة السعودية خصوصيتها من أن الواقعة تبدو مرتبطة بفعل متعمد داخل قمرة القيادة، وهي حالات لا تفرض فيها قواعد التحقيق في حوادث الطيران بالضرورة فتح تحقيق للسلامة، لكن السعودية اختارت المضي فيه، مع إخطار جهات الطيران الدولية ومشاركة أطراف أخرى في التحقيق.

وتشير هذه الخطوة إلى احتمال أن تنظر الرياض إلى الحادثة باعتبارها فرصة لمراجعة أوسع لمنظومة السلامة، من إجراءات اختيار وتأهيل أطقم الطائرات، إلى التدقيق الأمني على العاملين في الوظائف الحساسة، وصولاً إلى آليات التعامل مع تهديد ينشأ من داخل قمرة القيادة نفسها.

وتزداد أهمية هذا الجانب بعدما خلص التحقيق الإماراتي إلى أن مساعد الطيار هاجم القائد بأداة الطوارئ وحاول السيطرة على الطائرة، ما جعل الحادثة أقرب إلى اختبار حقيقي لمنظومة أمن الطيران وليس مجرد شجار بين فردين من الطاقم.

والأهم أن السعودية تخوض في الوقت نفسه مرحلة تحول واسعة في قطاع الطيران، ضمن خطط تستهدف توسيع المطارات وشبكات الربط الجوي وتعزيز موقع المملكة كمركز عالمي للنقل والخدمات اللوجستية. وفي مثل هذه المرحلة، لا تصبح السلامة مجرد معيار تشغيلي، بل جزءاً من حماية الاستثمارات والصورة الدولية والثقة التي تسعى المملكة إلى ترسيخها في قطاع الطيران.

ومن هنا، فإن فتح التحقيق قد يكون رسالة بأن التوسع السريع لا يمكن أن يأتي على حساب التشدد في معايير السلامة والأمن، فكلما ارتفع حجم الحركة الجوية واتسعت شبكة الوجهات والناقلات، ازدادت الحاجة إلى أن تكون منظومة التدقيق والرقابة قادرة على اكتشاف المخاطر قبل وصولها إلى قمرة القيادة.

كما أن اختيار السعودية إجراء تحقيق للسلامة رغم الطابع المتعمد المحتمل للحادثة قد يعكس رغبة في استخلاص دروس مؤسسية من الواقعة، بدلاً من الاكتفاء بمحاسبة المتهم جنائياً. وقد تقود النتائج، إذا كشفت ثغرات أو جوانب قابلة للتحسين، إلى تحديث بعض الإجراءات المتعلقة بالموظفين والطواقم والاستجابة للحوادث داخل الطائرة.

وبذلك، لا يبدو التحقيق السعودي مجرد إجراء مرتبط بطائرة هبطت اضطرارياً في تبوك، بل اختباراً لمدى قدرة منظومة الطيران في المملكة على مواكبة مرحلة التوسع الكبرى التي يشهدها القطاع، مع الحفاظ على معيار السلامة الذي يمثل شرطاً أساسياً لاستدامة هذه الطموحات.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *