يتردد في الشرق الأوسط شعاران كبيران، وهما “أخوّة الشعوب” و”الأمة الديمقراطية”، يُقدَّمان على أنهما الحل لنزاعات عمرها عقود. والفكرة في ذاتها إنسانية ونبيلة، ويمكن أن تكون أساساً لعلاقة عادلة بين الكرد والعرب والترك والفرس. لكن السؤال الذي يتجاهله كثيرون هو: من الذي يُطلب منه أن يتغير، وما الذي يُطلب منه أن يتخلى عنه؟
ليست كل القوميات متشابهة. هناك شعور قومي ينشأ عند شعب يخاف على لغته وأرضه وحقوقه ووجوده. وهناك أيديولوجيا قومية تتحول إلى مشروع للسيطرة، فترى في الدولة المركزية وسيلة لصهر الآخرين، وتعتبر اختلافهم مشكلة تُحل بالإخضاع أو الإنكار.
القومية الكردية جاءت في جوهرها ردّاً على الخوف من المحو، لا رغبةً في حكم الآخرين. أما أيديولوجيات قومية أخرى في المنطقة فقد تشكلت غالباً كأيديولوجيات دولة، هدفها فرض الوصاية وتحويل الآخر إلى تابع. الاختلاف إذن ليس في الاسم، بل في الوظيفة، فإحداها وسيلة لحماية الذات، والأخرى أداة لإعادة تشكيل الآخرين.
هذا لا يعني أن كل قومي غير كردي توسعي، ولا أن أي قومي كردي بريء من أي نزعة إقصائية، فالأفكار تُقاس بمضمونها وبممارسات أصحابها، لكن العدل يقتضي ألا نضع المطالبة بالمساواة والمطالبة بالهيمنة في كفة واحدة لمجرد أن كليهما يتحدث باسم القومية.
فحين يُدعى صاحب الأيديولوجيا المهيمنة إلى التخلي عنها، فهو يُدعى إلى ترك الاعتقاد بالتفوق، ووقف إنكار حقوق غيره وفرض هويته عليهم. وهذه دعوة تخدم الأخوّة فعلاً، بينما حين يُدعى الكردي إلى التخلي عن شعوره القومي، فهو يُدعى إلى التخلي عن وسيلة دفاعه التاريخية والمعنوية، وهو أعزل أمام موازين القوة القائمة. هنا ينتقل الخطاب من نقد الهيمنة إلى الضغط على الضحية.
بعض صيغ الأخوّة تتحدث بلغة المساواة، لكنها توزع الأعباء بالتساوي على الورق فقط، فالكردي يُطالَب بأن يكون أقل تمسكاً بقوميته، وأكثر استعداداً لتجاوز مظالم الماضي، وأكثر انفتاحاً على مشاريع تتخطى القوميات. وكأن المشكلة في تمسكه بهويته، لا في الظروف التي جعلت الدفاع عنها ضرورة.
في المقابل، لا نسمع المطالبة بالقوة نفسها لمن ينكر الحقوق الكردية بأن يراجع تصوره للدولة والمواطنة، وأن يقبل الكردي شريكاً مساوياً لا تابعاً. وهكذا يتحول التسامح من قيمة متبادلة إلى واجب يقع على طرف واحد، ويصبح الطرف الآخر صاحب الحق في تحديد شروط العلاقة. وهذا ليس تعايشاً، بل خلل في ميزان المطالب الأخلاقية والسياسية، فلا أخوّة حقيقية بين من يملك الدولة والسلاح والحدود، ومن يناضل كل يوم ليثبت وجوده الثقافي والسياسي.
وتزداد الصورة تعقيداً لأن الاستقطاب لم يعد قومياً فقط، فقد امتد في السنوات الأخيرة إلى داخل الدين الواحد، مع تصاعد التعبئة المذهبية وربط الولاء الديني بمشاريع النفوذ، وتحويل الاختلاف المذهبي إلى حدود سياسية وأمنية بين أبناء المجتمع الواحد. وكثيراً ما يخدم الخطاب المذهبي مشاريع قومية إقليمية، فيصبح غطاءً إضافياً للهيمنة.
فيجد الكردي نفسه أمام ضغوط متراكمة، قومية تنكر خصوصيته، ومذهبية قد تطالبه بالولاء لمحاور لا تخدم مصالحه، وصراعات إقليمية توظف موقعه وجغرافيته في حسابات لا يملك قرارها. حينذاك يواجه الفرد الكردي السؤال التالي: لماذا يُطلب مني أن أكون نقطة الانطلاق لمشروع ديمقراطي يتجاوز الهويات، بينما تواصل قوى أخرى استخدام القومية والمذهب للتعبئة والسيطرة؟
ولعل أوضح مثال على ذلك ما جرى في غرب كردستان (سوريا)، فقد حاول حزب كردي هناك، لسنوات، تطبيق فكرة “الأمة الديمقراطية” و”أخوّة الشعوب” في المناطق التي يسيطر عليها، وسعى إلى غرس هذا المفهوم عند المكونات الأخرى، وفي مقدمتها العرب.
لكن ما إن تغيّر النظام في دمشق وتحركت القوات الحكومية في يناير/كانون الثاني 2026، حتى انقلبت عشائر عربية في دير الزور والرقة على الإدارة التي كانت تحكمها، وانشقت عن القوات التي كانت جزءاً منها، فخرجت المنطقتان من يدها في أيام قليلة. وكان لأبناء هذه العشائر الدور الحاسم في ذلك.
الدرس هنا واضح: الأخوّة لا تُفرض بقرار حزب، ولا تنجح حين يتبناها طرف واحد، فإن لم تتحول إلى قناعة حقيقية عند الطرف الآخر، وإلى مصلحة مشتركة تحمي الجميع، بقيت شعاراً هشاً ينهار عند أول اختبار. وهذه التجربة تكشف أن الفكرة لم تجد عند بقية القوميات الاستعداد الذي افترضه أصحابها.
الذهاب وراء “تجاوز القومية” من طرف واحد، في محيط مشبع بالتعصب، له كلفة واضحة، فهو يشتت الجهد عن تثبيت الحقوق الأساسية للشعب الكردي، ويُضعف تماسكه الداخلي أمام محاولات الاختراق، ويعفي الطرف المسؤول من واجب تفكيك منطق الهيمنة الذي يتبناه.
الديمقراطية لا تبدأ بمطالبة الضحية بالتخلي عن هويتها، بل ببناء نظام يضمن ألا تكون الهوية سبباً للتمييز أو الإقصاء، فالانتماءات لا تختفي بقرار فكري ولا بشعار تقدمي، بل تصبح أقل خطورة حين يشعر أصحابها بالأمان، وحين تُصان حقوقهم، وحين لا يخشون أن يكون التنازل عن خصوصيتهم مقدمة لذوبانهم في هوية تفرضها الأكثرية.
وعلى هذا، فتمسك الكردي بقوميته لا يتعارض مع الديمقراطية، كما أن رفع شعار الأخوّة لا يجعل صاحبه ديمقراطياً تلقائياً. المعيار هو طبيعة العلاقة التي يريدها كل طرف مع غيره: هل يقبل المساواة في الحقوق والواجبات؟ هل يعترف بالخصوصيات القومية؟ هل يرفض فرض الهوية بالقوة؟ وهل يرى الشراكة اختياراً حراً لا وسيلة لإخضاع أحد؟
أي مشروع ديمقراطي في المنطقة يجب أن يبدأ بحق كل شعب في الحفاظ على لغته وثقافته وذاكرته، والتعبير عن هويته دون خوف أو شعور بالذنب. ويجب أن يضمن المشاركة السياسية المتساوية، ويرفض التمييز القومي والمذهبي، ويجعل الدولة ملكاً لجميع مواطنيها لا أداة بيد جماعة واحدة.
وليس المطلوب من الكردي أن يرفض العيش المشترك أو يرى جيرانه خصوماً دائمين، فالتعاون والتكامل الاقتصادي والسياسي مصلحة للجميع، لكن الوصول إليه يمر بمعالجة أسباب انعدام الثقة، والاعتراف بالمظالم، وبناء العلاقة على المساواة، لا بمطالبة الخائف على هويته بأن يتنازل عنها أولاً.
فالأخوّة الحقيقية لا تعني أن يتخلى الكردي عن كونه كردياً، ولا أن يتخلى العربي عن عروبته، بل تعني أن يتخلى الجميع عن الاعتقاد بأن هويتهم تمنحهم الحق في تقرير مصير غيرهم.
وإذا كانت الأيديولوجيات القومية الإقصائية والمذهبية السياسية هي التي تغذي الصراع، فالمسؤولية الأولى تقع على من يتبناها ويوظفها لإنكار حقوق الآخرين. وليس منطقياً أن يصبح من يدافع عن هويته هو المتهم الأول، بينما يُعفى من المساءلة من جعل هويته أداة للهيمنة.
في النهاية، ليست القضية أن يتحمل الكردي وحده مشروع الأخوّة، بل أن يصبح مشروعاً متبادلاً تتقاسم جميع الأطراف مسؤوليته. فالخوف لا يزول بإقناع الخائف بالكف عنه، بل بإزالة أسبابه. والديمقراطية لا تُبنى بإضعاف هوية شعب، بل بضمان ألا تتحول هوية أي شعب إلى سلاح ضد شعب آخر.

التعليقات