برن ـ تواجه صناعة الساعات السويسرية مرحلة تحول لافتة، مع استمرار تراجع أحجام الصادرات مقابل تنامي الاعتماد على الساعات الفاخرة الأعلى سعرا، في تغير يعيد تشكيل نموذج الأعمال الذي طالما قام على الإنتاج الواسع والتصدير إلى الأسواق العالمية.
وبينما تنكمش الكميات، تحقق علامات كبرى مثل رولكس وباتيك فيليب أداء قويا، مدفوعة بارتفاع قيمة المنتجات والطلب المستمر على الساعات الميكانيكية الراقية.
وبحسب تقرير نشرته مجلة ‘ذي إيكونوميست’، تراجعت كميات الساعات السويسرية المصدرة خلال العقد الماضي إلى نحو النصف، رغم أن الصادرات تمثل قرابة 95% من إجمالي مبيعات القطاع.
ويعكس هذا الانخفاض تغيرا في أنماط الاستهلاك، خصوصا مع تراجع الإقبال على الساعات التقليدية الأقل سعرا، التي كانت تشكل قاعدة واسعة من مبيعات الصناعة.
ولا يبدو هذا الانكماش متساويا بين مختلف الشركات والعلامات التجارية، إذ استطاعت الأسماء الفاخرة تعزيز حضورها والاستفادة من استعداد شريحة من المستهلكين لدفع مبالغ أكبر مقابل منتجات تجمع بين الحرفية والتصميم والسمعة التاريخية.
وفي المقابل، تواجه الشركات التي تعتمد بصورة أكبر على إنتاج أعداد كبيرة من الساعات ضغوطا متزايدة للحفاظ على المبيعات في ظل تغير تفضيلات المستهلكين.
وتبرز رولكس باعتبارها أحد أبرز المستفيدين من هذا التحول، فقد باعت الشركة نحو 1.2 مليون ساعة خلال العام الماضي، وحققت إيرادات تجاوزت 11 مليار فرنك سويسري، مقابل نحو 8 مليارات فرنك في بداية العقد الحالي.
ويكشف هذا التطور أن نمو الإيرادات لم يكن نتيجة ارتفاع كبير في عدد الساعات المباعة، بل ارتبط بدرجة أساسية بزيادة الأسعار وتعزيز موقع العلامة في شريحة المنتجات الفاخرة.
ويبلغ متوسط سعر التجزئة لساعة رولكس نحو 14 ألف فرنك سويسري، فيما يظل الطلب مرتفعا على عدد من طرزها الأكثر شهرة.
وفي بعض الأسواق، يضطر المشترون إلى الانتظار لدى الوكلاء المعتمدين للحصول على نماذج محددة، بسبب محدودية المعروض مقارنة بحجم الطلب.
ويشير هذا الوضع إلى تغير جوهري في طريقة عمل سوق الساعات السويسرية، حيث لم تعد زيادة الإنتاج بالضرورة الطريق الرئيسي إلى النمو بالنسبة إلى العلامات الكبرى.
وبدلا من ذلك، أصبحت استراتيجية الحفاظ على ندرة بعض الطرز ورفع قيمتها السوقية عاملا أساسيا في دعم الإيرادات وتعزيز جاذبية العلامة التجارية.
وتواجه الصناعة في الوقت نفسه تحديا مختلفا يتمثل في الانتشار السريع للساعات الذكية، التي أثرت بصورة خاصة في الساعات التقليدية العاملة بتقنية الكوارتز. وتوفر الساعات الذكية وظائف متعددة تتجاوز معرفة الوقت، من تتبع النشاط البدني إلى الإشعارات والاتصال بالخدمات الرقمية، ما جعلها خيارا عمليا لعدد كبير من المستهلكين، ولا سيما في الاستخدام اليومي.
وتتركز صناعة الساعات الذكية بدرجة كبيرة في آسيا، حيث تستفيد الشركات المنتجة من قدرات التصنيع الواسعة والتقنيات الرقمية المتطورة. وقد ساهم انتشار هذه المنتجات في تغيير مفهوم الساعة بالنسبة إلى المستهلك، من أداة لقياس الوقت إلى جهاز إلكتروني يقدم مجموعة من الخدمات اليومية.
لكن الساعات الميكانيكية الفاخرة تبدو أقل عرضة لهذا الضغط، لأنها لا تُشترى لأغراض عملية فقط، فقيمتها ترتبط أيضا بجودة التصنيع ودقة الحركة والتصميم والتاريخ والهوية، فضلا عن المكانة التي تحملها العلامة التجارية.
ولذلك يستطيع هذا النوع من الساعات الحفاظ على جاذبيته حتى مع وجود بدائل إلكترونية أكثر قدرة على أداء الوظائف اليومية.
وتتجه الصناعة السويسرية، بناء على هذه التطورات، نحو نموذج يقوم على بيع عدد أقل من الساعات مقابل تحقيق قيمة مالية أعلى.
وهذا التحول يضع العلامات الفاخرة في موقع أكثر قوة، لكنه يفرض في المقابل تحديات على الشركات التي تعتمد على حجم الإنتاج وانتشار المنتجات في شرائح سعرية أوسع.
وتكشف هذه المعادلة عن سوق يعيد تعريف مفهوم النمو في قطاع الساعات.

التعليقات