التخطي إلى المحتوى

في تموز 2023 كتبت مقالاً بعنوان ‘الدولار يهدد عرش السلطة’. لم أتعامل يومها مع الدولار باعتباره مجرد رقم في سوق الصرافة، بل كمؤشر اقتصادي على قدرة الدولة على إدارة ماليتها وحماية عملتها، في اقتصاد يعتمد بصورة رئيسية على النفط لتأمين العملة الأجنبية.

كانت حكومة محمد شياع السوداني تواجه آنذاك أزمة سعر صرف، بعدما اقترب الدولار من 1800 دينار، بالتزامن مع إجراءات أميركية طالت عدداً من المصارف العراقية. تدخلت الحكومة، وأقر مجلس النواب سعراً رسمياً عند 1300 دينار للدولار في محاولة لاحتواء الأزمة.

بعد ثلاث سنوات تغيرت الحكومة والظروف، لكن السؤال الاقتصادي عاد. العراق اليوم أمام حكومة علي الزيدي، التي منحها مجلس النواب الثقة في 14 أيار 2026، وأمام موازنة 2027 يجري إعدادها بالتزامن مع تغيير جديد في سعر الصرف.

في السابع من تشرين الأول دخل السعر الجديد حيز التنفيذ: 1500 دينار للدولار بالنسبة إلى وزارة المالية، و1510 للمصارف، و1520 للمستفيد النهائي، وفق قرار مجلس الوزراء وتوصية البنك المركزي.

هذا القرار لا يمكن فصله عن موازنة 2027، فالمشروع يتضمن إنفاقاً يقارب 217 تريليون دينار، بعجز يتجاوز 40 تريليوناً، وعلى أساس سعر نفط مفترض عند 58 دولاراً للبرميل، مع صادرات متوقعة بنحو أربعة ملايين برميل يومياً.

الحساب المالي واضح: العراق يحصل على إيراداته النفطية بالدولار، وكلما ارتفع سعر الدولار مقابل الدينار حصلت الخزينة على دنانير أكثر مقابل الإيرادات نفسها بالدولار، لكن هذه الفائدة المالية لا تعني أن الكلفة تختفي؛ فهي تنتقل جزئياً إلى السوق.

المواطن هو الحلقة الأكثر حساسية في هذه المعادلة. ارتفاع الدولار يرفع تكلفة السلع المستوردة، من الغذاء والدواء إلى الأجهزة وقطع الغيار والخدمات المرتبطة بالاستيراد. والموظف الذي يتقاضى راتبه بالدينار لا يحصل تلقائياً على زيادة في دخله لمواجهة ارتفاع الأسعار، ولذلك قد يبقى راتبه ثابتاً من الناحية الاسمية بينما تتراجع قدرته الشرائية فعلياً.

وهنا يجب التمييز بين قيمة الراتب والقيمة الحقيقية للراتب. الموظف لا يشتري الدولار بوصفه غاية، وإنما يشتري الغذاء والسكن والدواء والنقل وغيرها. لذلك فإن معيار نجاح السياسة النقدية ليس فقط مقدار ما تضيفه للموازنة من دنانير، بل مقدار ما تحافظ عليه من قدرة المواطن على الإنفاق.

وفي هذا السياق تستوقفني صورة نشرت مطلع العام الحالي ظهر فيها الرئيس الأميركي دونالد ترامب و’سافيا’ وأمامهما ورقة نقدية عراقية من عهد صدام حسين. لا توجد قرينة تسمح بالقول إن الصورة كانت رسالة مباشرة إلى الحكومة العراقية، ولذلك لا يصح تحويلها إلى نبوءة سياسية، لكنها تحمل قيمة رمزية تستحق القراءة.

فالورقة العراقية القديمة تعود إلى مرحلة شديدة الاضطراب في تاريخ الدينار. ويشير البنك المركزي العراقي إلى أنه بعد حرب الخليج عام 1991 وفرض الحصار الاقتصادي، لم تعد تقنيات الطباعة السابقة متاحة، فبدأ العراق بطباعة إصدارات محلية بمواصفات مختلفة، ومع الإفراط الحكومي في إصدار الأوراق النقدية تراجعت قيمة الدينار سريعاً، حتى بلغ الدولار نحو 3000 دينار في أواخر 1995.

لا يعني استحضار تلك التجربة أن العراق يتجه إلى تكرار التسعينيات. الفارق كبير في الاحتياطيات والمؤسسات والأدوات النقدية والبيئة الاقتصادية، لكن التاريخ يوضح كيف يمكن للعملة أن تتحول إلى مرآة للأزمة المالية عندما تتسع الفجوة بين موارد الدولة والتزاماتها.

والظرف الحالي يحمل متغيراً آخر. الولايات المتحدة أنهت وجودها العسكري في العراق في نهاية أيلول، لكن ذلك لم يخرجها بالكامل من المعادلة المالية، فما زالت عائدات النفط العراقية تمر عبر حساب البنك المركزي لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، ما يجعل الدولار جزءاً أساسياً من البنية المالية العراقية حتى بعد انتهاء الوجود العسكري الأميركي.

لذلك تختلف أزمة 2026 عن أزمة 2023. في المرة السابقة كان الحضور الأميركي العسكري والسياسة الأميركية تجاه المصارف والدولار جزءاً ظاهراً من المشهد. أما اليوم، فإذا استمرت الضغوط على الأسعار والقوة الشرائية، فستكون المؤسسات العراقية أمام مسؤولية أكبر في تفسيرها ومعالجتها.

وهنا يدخل الشارع في المعادلة الاقتصادية. ارتفاع الأسعار لا يبقى طويلاً داخل تقارير البنك المركزي أو جداول الموازنة؛ فهو يظهر في السوق وفي ميزانية الأسرة. وإذا استمر تراجع القوة الشرائية، يمكن أن تتحول الأزمة من ملف نقدي إلى قضية اجتماعية، خصوصاً في بلد شهد سابقاً احتجاجات ارتبطت بالأوضاع المعيشية.

لهذا تبدو موازنة 2027 اختباراً اقتصادياً مهماً لحكومة علي الزيدي. القضية ليست ما إذا كان سعر 1500 أو 1520 ديناراً للدولار مناسباً في ذاته، وإنما ما إذا كان تعديل سعر الصرف جزءاً من سياسة متكاملة تعالج العجز وتنويع الإيرادات وتحفيز الإنتاج، أم يتحول إلى أداة متكررة لتعويض اختلال المالية العامة.

أما الحديث عن احتمال إصدار فئات نقدية جديدة أو إجراء إصلاح أوسع للعملة، فيجب أن يبقى سؤالاً اقتصادياً مفتوحاً، لا نتيجة محسومة. تغيير شكل العملة لا يعالج تلقائياً أسباب ضعفها، كما أن قوة الدينار لا تصنعها الورقة النقدية، بل الاقتصاد الذي يقف خلفها.

في 2023 كان الدولار أزمة تحتاج إلى احتواء. وفي 2026 أصبح سعر الصرف جزءاً من الحسابات التي تُبنى عليها موازنة 2027. وبين المرحلتين تغيرت الحكومة، وانتهى الوجود العسكري الأميركي، لكن بقي السؤال الاقتصادي نفسه: هل يستطيع العراق إدارة سعر صرفه ضمن اقتصاد منتج ومستقر، أم سيظل الدولار هو الرقم الذي يكشف كل مرة نقاط ضعف الموازنة وقوة المواطن الشرائية؟

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *