اقتصاد الترانزيت .. شركات الطيران تجني مليارات من مسافر لا يريد زيارة بلدها
تخيل أن تبني مشروعًا استثماريًا يعتمد في جزء رئيسي منه على زبائن “لا يريدون البقاء عندك”.. قد يبدو هذا الأمر انتحارًا تجاريًا في أي صناعة أخرى، لكنه في عالم الطيران تحول إلى نموذج أعمال بالغ القوة والربحية.

فعلى مدى العقود الماضية، أدركت مطارات وشركات طيران عملاقة أن الثروة لا تكمن فقط في استقطاب الزوار، بل في جذب المسافرين المتنقلين بين القارات، وإقناعهم باختيار المطار التابع لهم كمحطة تفصل بين رحلاتهم.
فساعات قليلة داخل صالات العبور تكفي لاستخدام المدرجات والبوابات ومرافق المطار ومناولة الأمتعة، وقد تفتح الباب أيضًا أمام إنفاق المسافر في المتاجر والمطاعم والصالات، قبل أن يغادر إلى المكان الذي كان يريد الوصول إليه منذ البداية.
عندما يصبح المطار محطة لا وجهة
يعتمد نموذج مطارات الترانزيت على فكرة بسيطة قائمة على استقبال المسافرين القادمين من مدن وأسواق مختلفة، ثم تعيد توزيعهم عبر رحلات أخرى إلى وجهاتهم النهائية، بدلًا من تشغيل رحلات مباشرة بين كل مدينتين.
ويوفر هذا النوع من الرحلات فرصة لشركات الطيران لرفع نسبة المقاعد المشغولة وتوزيع تكلفة الرحلة على عدد أكبر من المسافرين، بدل الحاجة إلى تشغيل رحلات مباشرة كثيرة لا يتوافر لكل منها طلب كافٍ.
وتكشف بيانات رابطة النقل الجوي الدولي (إياتا) الدور الذي أصبح يؤديه الشرق الأوسط في هذا النموذج؛ إذ تشير تقديراتها المنشورة في يونيو 2026 إلى أن المنطقة تستحوذ على أكثر من 40% من حركة الربط الجوي العالمية.
وفي 2026، توقعت إياتا أن تحقق شركات الطيران في الشرق الأوسط ربحًا قدره 28.6 دولار أمريكي لكل مسافر، وربطت المنظمة قوة المنطقة جزئيًا بموقعها الاستراتيجي كمركز عالمي للربط الجوي.

وتؤكد بيانات مجلس المطارات الدولي (إيه سي آي وورلد) أهمية هذا الجانب؛ إذ شكّلت الإيرادات غير المرتبطة مباشرة بالطيران 36.7% من إجمالي إيرادات المطارات عالميًا في 2024، بمتوسط 7.57 دولار للمسافر.
وبحسب البيانات نفسها، بلغت الإيرادات العالمية غير المرتبطة بالطيران نحو 73 مليار دولار في 2024، إذ تحقق المطارات دخلًا من المتاجر والمطاعم والإعلانات ومواقف السيارات والعقارات وخدمات المسافرين.
الخليج.. حين تتحول الجغرافيا إلى شبكة ترانزيت
تمتع دول الخليج العربي بميزة جغرافية أساسية في اقتصاد الترانزيت؛ إذ يمكن الوصول منها إلى معظم مناطق العالم خلال نحو 8 ساعات طيران، وفق بيانات إياتا، ما جعل مطاراتها على مسارات الحركة بين أوروبا وآسيا وأفريقيا.
وكانت دبي من أوائل مدن المنطقة التي حولت هذه الميزة إلى نموذج أعمال متكامل، إذ استقبل مطار دبي الدولي 95.2 مليون مسافر خلال 2025، وهو أعلى مستوى في تاريخه، وارتبط بـ291 وجهة في 110 دول عبر 108 شركات طيران دولية.
|
أكبر 5 مطارات عالميًا تسجيلًا من حيث عدد مسافري الترانزيت في 2025، بناءً على أحدث بيانات هيئات الطيران ومجلس المطارات الدولي (ACI)
|
|||
|
المطار
|
الدولة
|
متوسط عدد مسافري الترانزيت
|
إجمالي أعداد المسافرين
|
|
مطار دبي الدولي (DXB)
|
الإمارات
|
27 مليون
|
95.2 مليون
|
|
مطار حمد الدولي (DOH)
|
قطر
|
18.5 مليون
|
54.3 مليون
|
|
مطار إسطنبول الدولي (IST)
|
تركيا
|
14.5 مليون
|
84.5 مليون
|
|
مطار سخيبول أمستردام (AMS)
|
هولندا
|
12.5 مليون
|
68.7 مليون
|
|
مطار شانغي (SIN)
|
سنغافورة
|
9.5 مليون
|
68.4 مليون
|
واستفادت طيران الإمارات من هذا النموذج ببناء شبكة تربط دبي بالأسواق العالمية؛ ففي السنة المالية المنتهية في مارس 2026، نقلت الشركة 53.2 مليون مسافر، وبلغت إيراداتها نحو 35.7 مليار دولار أميركي، فيما امتدت شبكتها إلى 152 مدينة في 80 دولة.
واتسع نموذج الترانزيت في الخليج، ففي الدوحة، بنت الخطوط الجوية القطرية مركزًا عالميًا حول مطار حمد الدولي، الذي رفعت توسعة صالتي المغادرة دي وإيه (D E) طاقته الاستيعابية إلى أكثر من 65 مليون مسافر سنويًا.
وفي السنة المالية 2025/2026، نقلت الخطوط الجوية القطرية 41.8 مليون مسافر، وبلغت إيرادات المجموعة نحو 23 مليار دولار، مع استمرار الدوحة في أداء دور مركز الربط الرئيسي لشبكتها العالمية.

وفي الرياض، يتسارع بناء نموذج مختلف للمركز الجوي، مدفوعًا بحجم السوق المحلية وبخطط تحويل العاصمة إلى مركز دولي للربط الجوي، واستقبل مطار الملك خالد الدولي 40.8 مليون مسافر خلال 2025، وشهد 296.8 ألف رحلة.
ووفق بيانات قطاع النقل الجوي السعودي، يستهدف المطار رفع طاقته الاستعابية لمسافري الترانزيت والرحلات المواصلة إلى 7.5 مليون مسافر سنويًا، بالتوازي مع زيادة الطاقة الاستيعابية الإجمالية للمطار من 42 مليون مسافر في 2025 إلى 56 مليونًا بنهاية 2026.
سنغافورة وإسطنبول.. عندما يصبح الترانزيت منتجًا
لا تعتمد سنغافورة على كونها وجهة سياحية أو تجارية فقط لجذب حركة الطيران، بل بنت مطارها وشبكتها الجوية لتجعل منه نقطة عبور رئيسية بين أسواق آسيا والمناطق الأخرى.

ويجسد مطار شانغي هذا النموذج؛ إذ تعامل خلال السنة المالية 2024/2025 مع 68.4 مليون مسافر، وارتبط بأكثر من 170 مدينة عبر نحو 100 شركة طيران، وفق التقرير السنوي لمجموعة مطار شانغي.
وتكمن أهمية النموذج السنغافوري في أن المسافر العابر لا يمثل مجرد شخص ينتظر طائرته التالية. فالمطار يضم مجموعة واسعة من المتاجر والمطاعم والخدمات والصالات، ما يحول فترة الانتظار إلى فرصة للإيرادات التجارية.
وتظهر قيمة النشاط التجاري لهذا النوع من المطارات في أرقام مجموعة مطار شانغي؛ ففي السنة المالية 2024/2025 بلغت إيرادات المجموعة نحو 2.27 مليار دولار، وشكلت الإيرادات التجارية وغير المتعلقة بالطيران نحو 38% منها لتصل إلى 860 مليون دولار.
أما مطار إسطنبول فقد تحول إلى مركز جوي ضخم مستفيدًا من موقع تركيا بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لكنه لم يعتمد على الموقع وحده.
ففي 2025، خدم المطار 84.5 مليون مسافر، بينهم نحو 66.7 مليون مسافر دولي، كما أتاح رحلات إلى أكثر من 340 وجهة عبر أكثر من 110 شركات طيران.
ويظهر دور الخطوط الجوية التركية في هذا النموذج؛ فقد نقلت 92.6 مليون مسافر خلال 2025، وبلغ أسطولها 516 طائرة، فيما وصلت إيراداتها إلى 24.1 مليار دولار، ما يدعم استخدام إسطنبول كنقطة تجمع وإعادة توزيع للمسافرين بين أسواق لا ترتبط بالضرورة برحلات مباشرة.
حين يتحول الانتظار إلى إيراد
لا تنتهي قيمة مسافر الترانزيت عند رسوم الرحلة أو استخدام المدرج؛ فالفترة التي يقضيها داخل المطار تمثل فرصة إضافية لتحقيق إيرادات تجارية.

ولهذا توسعت المطارات في تطوير المتاجر والمطاعم والصالات وخدمات الضيافة، بحيث يتحول وقت الانتظار بين الرحلتين إلى جزء من اقتصاد الرحلة نفسها.
ووفقًا لتقرير صادر عن موردور إنتليجنس حول مقاييس سوق الأسواق الحرة والمطارات، بلغ حجم سوق التجزئة في المطارات العالمية نحو 40 مليار دولار، مع توقعات بنموه المتزايد بدفع مباشر من حركة ركاب الترانزيت الدوليين.
وبذلك لا يكون مسافر الترانزيت مجرد مقعد إضافي على الطائرة، ولا مجرد شخص ينتظر رحلته التالية؛ بل يصبح جزءًا من منظومة إيرادات تمتد من تذكرة السفر وخدمات الطيران إلى المتاجر والمطاعم والصالات والخدمات المختلفة داخل المطار.
وهنا تكمن المفارقة التي صنعت اقتصاد الترانزيت، فالمسافر الذي لا يريد زيارة البلد قد يصبح أحد أهم مصادر الدخل لمطارها، بمجرد أن يمر عبر بوابتها الجوية ويستخدم مدرجاتها وصالاتها وخدماتها، قبل أن يواصل طريقه إلى الوجهة التي أرادها منذ البداية.
المصادر: أرقام- إياتا- مجلس المطارات الدولي (إيه سي آي وورلد)- شركة مطارات دبي- طيران الإمارات- الخطوط الجوية القطرية- شركة مطارات الرياض- مطار حمد الدولي- مطار شانغي- الخطوط الجوية التركية- مطار إسطنبول
للمزيد من المقالات
اضغط هنا

التعليقات