
تسارعت وتيرة تعافي تدفقات النفط من الشرق الأوسط خلال الفترة الأخيرة، مع عودة جانب كبير من صادرات المنطقة إلى الأسواق العالمية رغم استمرار التوترات الأمنية والاضطرابات المرتبطة بحركة الناقلات وممرات الشحن الرئيسية، وفي مقدمتها مضيق هرمز.
وقال وائل صوان، الرئيس التنفيذي لشركة «شل»، إن تدفقات النفط من الشرق الأوسط أصبحت قريبة من 80% من مستويات ما قبل الحرب، معتبرًا أن قدرة عدد من دول المنطقة على مواصلة تصدير الخام تعكس قدرتها على التعامل مع الاضطرابات والحفاظ على إمدادات الأسواق العالمية.
وتتوافق تصريحات صوان إلى حد كبير مع بيانات مستقلة لتتبع حركة الناقلات، إذ أظهرت بيانات شركة Vortexa أن تدفقات النفط الخليجية، باستثناء إيران، تجاوزت 81% من مستويات ما قبل الحرب خلال سبتمبر 2026.
19.2 مليون برميل يوميًا من دول الخليج
بحسب بيانات Vortexa، بلغ متوسط تدفقات الخام والمكثفات والوقود المكرر، بما في ذلك غاز البترول المسال، من السعودية والإمارات والكويت والعراق وقطر وعُمان والبحرين نحو 19.2 مليون برميل يوميًا خلال سبتمبر.
ويقارن هذا المستوى بمتوسط بلغ نحو 23.6 مليون برميل يوميًا خلال العام السابق لاندلاع الحرب في 28 فبراير، ما يعني أن الصادرات قطعت شوطًا كبيرًا في طريق التعافي، لكنها لم تعد بالكامل إلى مستوياتها السابقة.
وأظهرت بيانات شركة Kpler تقديرًا قريبًا، إذ بلغت صادرات النفط الخليجية خلال سبتمبر نحو 18.6 مليون برميل يوميًا، مع تسجيل مستويات أعلى من مستويات ما قبل الحرب خلال عدد من أيام الشهر.
صادرات الخام تتعافى أسرع من الوقود
ورغم تحسن إجمالي التدفقات، فإن وتيرة التعافي تختلف بصورة كبيرة بين الخام والمنتجات النفطية المكررة.
وأظهرت بيانات Vortexa أن صادرات الخام والمكثفات وصلت إلى نحو 91% من مستويات ما قبل الحرب، بينما لم تتجاوز صادرات الوقود المكرر، بما يشمل غاز البترول المسال، نحو 60% من مستوياتها السابقة.
ويكتسب هذا الفارق أهمية كبيرة بالنسبة لأسواق الطاقة العالمية، لأن استمرار ضعف تدفقات المنتجات المكررة يضغط بصورة خاصة على إمدادات الديزل ووقود الطائرات، حتى مع تحسن كميات الخام المتاحة للتصدير.
وقالت كلير جونجمان، المحللة لدى Vortexa، إن تدفقات النفط اليومية أصبحت أكثر تقلبًا مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب، ما يجعل السؤال الأساسي متعلقًا بمدى قدرة هذه المستويات المرتفعة على الاستمرار.
السعودية تقود عودة صادرات النفط
كانت السعودية المحرك الرئيسي وراء التحسن المسجل في صادرات النفط الخليجية خلال سبتمبر، بعدما ارتفعت شحنات الخام والمكثفات بنحو 4.2 مليون برميل يوميًا مقارنة بأغسطس، لتصل إلى حوالي 6.6 مليون برميل يوميًا، وفق بيانات Kpler.
وساعد هذا الارتفاع في تعويض تراجعات صادرات بعض المنتجين الآخرين في المنطقة، ومن بينهم الكويت وقطر، إضافة إلى الانخفاض الحاد في الصادرات الإيرانية.
كما ارتفعت صادرات الإمارات والعراق، ما ساهم في دفع إجمالي صادرات الخام والمكثفات من السعودية والإمارات والعراق وعُمان والكويت وقطر وإيران إلى نحو 14.7 مليون برميل يوميًا في سبتمبر، مقارنة بـ10.8 مليون برميل يوميًا في أغسطس.
وجاء هذا التحسن رغم استمرار المخاطر الأمنية التي طالت البنية التحتية للطاقة وحركة السفن في المنطقة.
مضيق هرمز.. نقطة الضغط الرئيسية
يمثل مضيق هرمز أحد أهم العوامل المؤثرة في حركة النفط العالمية، إذ لا تزال حركة الناقلات عبر الممر المائي عرضة للمخاطر الأمنية، فيما لجأت بعض السفن إلى إيقاف أنظمة التتبع الخاصة بها خلال عمليات العبور، ما يزيد صعوبة قياس التدفقات الفعلية بصورة دقيقة.
وكان متوسط صادرات الخام عبر المضيق قد اقترب من 80% من مستويات ما قبل الحرب في أواخر سبتمبر، وفق بيانات Kpler، بينما ارتفعت التدفقات الإجمالية من الشرق الأوسط خلال بعض أيام الشهر إلى مستويات تجاوزت ما قبل الحرب.
ويعني ذلك أن المشكلة الحالية في سوق النفط لا ترتبط فقط بكمية الخام المنتجة، وإنما تمتد إلى قدرة الناقلات على التحرك، وتكاليف التأمين والشحن، وتوافر طاقات التكرير.
لماذا لا تكفي عودة النفط لخفض الأسعار؟
رغم تحسن صادرات الخام، لا تزال أسواق النفط تواجه ضغوطًا مرتبطة بالخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد.
وأشارت رويترز إلى أن ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، إلى جانب اضطرابات بعض منشآت التكرير، أدى إلى استمرار ارتفاع تكلفة نقل النفط والمنتجات البترولية، وهو ما يحد من التأثير الفوري لعودة الإمدادات على الأسعار.
وفي المقابل، ساهم تحسن تدفقات النفط من الشرق الأوسط واتفاق مجموعة السبع على السحب من الاحتياطيات الطارئة في تهدئة بعض مخاوف نقص الإمدادات. وانخفض خام برنت في تعاملات اليوم الثلاثاء إلى نحو 98.62 دولار للبرميل، بينما تراجع خام غرب تكساس الوسيط إلى 87.60 دولار، وفق بيانات رويترز.
تحذير من استمرار أزمة الطاقة
ورغم التحسن الحالي، حذر الرئيس التنفيذي لـ«شل» من أن استمرار الحرب لفترة أطول قد يزيد صعوبة تعامل الأسواق مع اضطرابات الإمدادات.
وأوضح صوان أن تدفقات النفط لم تعد بعد إلى مستوياتها الطبيعية، وأن قدرة السوق على امتصاص صدمات جديدة ليست بلا حدود، مشيرًا إلى أن انخفاض الطلب في الصين وزيادة الإنتاج في مناطق أخرى ساهما في تخفيف جزء من آثار الأزمة.
وفي الوقت نفسه، أعلنت مجموعة السبع خطة للسحب من احتياطيات الطوارئ بما يصل إلى 100 مليون برميل من النفط، في خطوة تستهدف دعم الأسواق في مواجهة اضطرابات الإمدادات.
وتشير التطورات الحالية إلى أن سوق النفط العالمي دخل مرحلة جديدة؛ فالإمدادات الخام تتعافى بوتيرة أسرع، لكن المنتجات المكررة والنقل البحري والتأمين لا تزال تمثل نقاط ضغط رئيسية.
ولذلك، فإن استمرار تحسن صادرات الشرق الأوسط سيكون عاملًا حاسمًا في تحديد اتجاه أسعار النفط خلال الفترة المقبلة، إلى جانب تطورات الحرب وحركة السفن عبر مضيق هرمز.

التعليقات