
رئيس بنك التسويات الدولية يحذر من تعقّد إدارة الأزمات المالية المقبلة، مع ارتفاع الدين العام وصعود دور المؤسسات المالية غير المصرفية وتسارع التكنولوجيا المالية.
حذر رئيس بنك التسويات الدولية بابلو هيرنانديز دي كوس من أن مهمة البنوك المركزية في احتواء الأزمات المالية المقبلة قد تصبح أكثر تعقيدًا وحساسية، في ظل ارتفاع مستويات الدين العام وتغير طبيعة الأسواق العالمية، مع تزايد نفوذ المؤسسات المالية غير المصرفية.
وأوضح دي كوس أن صناديق التحوط وصناديق التقاعد ومديري الأصول أصبحوا من كبار حاملي الديون الحكومية، وهو ما يضيف تحديات جديدة أمام البنوك المركزية عند التعامل مع اضطرابات الأسواق، خاصة أن اعتماد بعض هذه المؤسسات على التمويل السوقي والرافعة المالية يمكن أن يضاعف الضغوط خلال فترات التوتر.
المؤسسات غير المصرفية تزيد تعقيد الأزمات
وأشار رئيس بنك التسويات الدولية إلى أن تغير تركيبة النظام المالي أصبح أحد أبرز العوامل التي يجب أخذها في الاعتبار عند الاستعداد لمواجهة الأزمات المالية، بعدما توسع دور المؤسسات غير المصرفية في الأسواق.
وتظهر مخاطر هذا الوضع في أوقات الاضطراب، إذ يمكن للتحركات السريعة من جانب المستثمرين والمؤسسات ذات الرافعة المالية أن تزيد حدة الضغوط على أسواق السندات والأصول، كما حدث خلال اضطرابات سوق الخزانة الأمريكية عام 2020، وأزمة سوق السندات البريطانية عام 2022.
سرعة التدخل تظل حاسمة
ورغم هذه التحديات، أكد دي كوس أن سرعة تدخل البنوك المركزية تظل عنصرًا رئيسيًا في احتواء اضطرابات الأسواق، وهو ما أثبتته التجارب التي شهدتها الأسواق العالمية خلال العقدين الماضيين.
ويرى أن تدخل البنك المركزي يصبح ضروريًا عندما يصل اضطراب السوق إلى مرحلة تهدد الاستقرار المالي أو تعرقل انتقال السياسة النقدية، لكن تحديد هذه اللحظة قد يكون أكثر صعوبة مع ارتفاع مستويات الدين الحكومي.
ارتفاع الدين يضع البنوك المركزية أمام معادلة صعبة
تواجه العديد من الاقتصادات مستويات من الدين العام هي الأعلى منذ الحرب العالمية الثانية، بالتزامن مع استمرار العجوزات المالية والضغوط على الموازنات الحكومية.
وتجعل هذه الظروف مهمة البنوك المركزية أكثر حساسية، إذ يتعين عليها التفرقة بين اضطراب يهدد استقرار النظام المالي، وبين مخاوف المستثمرين المشروعة بشأن قدرة الحكومات على إدارة أوضاعها المالية.
وحذر دي كوس من أن شراء البنوك المركزية للأصول في ظل ارتفاع مستويات الدين قد يثير مخاوف بشأن تحول السياسة النقدية إلى شكل من أشكال الدعم المالي للحكومات، بما قد يؤثر على استقلالية البنوك المركزية ومصداقيتها.
أزمة بريطانيا تقدم نموذجًا للتدخل المحدود
واعتبر دي كوس تجربة بنك إنجلترا خلال أزمة سوق السندات البريطانية في 2022 نموذجًا يمكن الاستفادة منه عند تنفيذ عمليات شراء طارئة للأصول، بشرط أن تكون هذه العمليات محدودة وواضحة وموجهة إلى حماية الاستقرار المالي.
وفي الوقت نفسه، حذر من أن الأزمات الأكبر قد تضع البنوك المركزية أمام ضغوط تتطلب تقديم التزامات واسعة، وهو ما قد يصعب الحفاظ على مصداقيته إذا طال أمد التدخل.
التكنولوجيا قد تجعل الأزمات أسرع
ولم تقتصر تحذيرات رئيس بنك التسويات الدولية على ارتفاع الديون وتغير تركيبة الأسواق، إذ أشار أيضًا إلى تأثير التكنولوجيا المالية ووسائل التواصل الاجتماعي في شكل الأزمات المالية المقبلة.
فإمكانية تنفيذ عمليات السحب والتحويل بسرعة عبر الإنترنت، إلى جانب الانتشار الفوري للمعلومات والشائعات عبر منصات التواصل الاجتماعي، قد تجعل انتقال الضغوط بين المؤسسات والأسواق أسرع بكثير من السابق.
دعوة لتعزيز الرقابة والتعاون العالمي
ودعا دي كوس إلى تطوير الأطر التنظيمية الخاصة بالمؤسسات المالية غير المصرفية والتقنيات المالية الناشئة، بما يتناسب مع الدور المتزايد الذي تلعبه هذه الجهات في النظام المالي العالمي.
وأكد أن التعاون بين البنوك المركزية سيظل عنصرًا أساسيًا في التعامل مع الأزمات المالية، خصوصًا خلال فترات الضغوط الحادة، مشيرًا إلى أهمية أدوات مثل خطوط المقايضة بين البنوك المركزية في توفير السيولة ودعم استقرار الأسواق.
وتعكس هذه التحذيرات تحولًا مهمًا في طبيعة المخاطر التي تواجه النظام المالي العالمي، إذ لم تعد الأزمات المحتملة مرتبطة بالبنوك التقليدية وحدها، وإنما أصبحت مرتبطة أيضًا بالديون الحكومية، والمؤسسات المالية غير المصرفية، والتكنولوجيا، وسرعة انتقال الأموال والمعلومات بين الأسواق.

التعليقات