تونس ـ استعاد فن الراي حضوره في الدورة الحادية عشرة لأيام قرطاج الموسيقية من بوابة نسائية، مع تقديم عرض ‘سيدات الراي’ للمرة الأولى في تونس، خلال سهرة الثلاثاء على مسرح الأوبرا بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي بالعاصمة، في موعد جمع بين استحضار الذاكرة الموسيقية وإعادة تقديمها برؤية تستجيب لذائقة الجمهور المعاصر.
وقدم العرض مساحة فنية للتوقف عند مسيرة الأصوات النسائية التي تركت بصمتها في الراي، أحد أبرز الأنماط الموسيقية التي نشأت في المغرب العربي وتمكنت، على امتداد عقود، من تجاوز محيطها المحلي والوصول إلى جمهور واسع داخل المنطقة وخارجها.
واعاد عرض ‘سيدات الراي» تقديم هذا الإرث من خلال مقاربة تجمع بين الوفاء للروح الأصلية للأغنيات والانفتاح على إمكانات التوزيع الموسيقي الحديثة.
وبهذا المزج، بدا العرض أقرب إلى رحلة في محطات متعددة من تاريخ الراي، تستعيد بعض ملامحه وتضعها في سياق فني جديد.
ويحتل الحضور النسائي موقعا بارزا في مسيرة الراي، إذ أسهمت الفنانات في إثراء هذا الفن بأصوات وتجارب مختلفة، كما حملت أعمالهن موضوعات ارتبطت بالحياة اليومية والتحولات الاجتماعية والعاطفية، من الحب والفراق إلى الحنين والاغتراب ومواجهة ظروف الحياة.
وقد منحت هذه التجارب أغنية الراي أبعادا إنسانية جعلتها قريبة من الجمهور، فيما ساعد الأداء النسائي على نقل تلك الحكايات والمشاعر بأساليب غنائية متنوعة، رسخت حضور المرأة داخل هذا اللون الموسيقي وأكدت دورها في تطوره وانتشاره.
واستند العرض إلى مجموعة من الأعمال المرتبطة بذاكرة جمهور الراي، مع الحرص على الحفاظ على ملامحها الأساسية وإعادة صياغة تفاصيلها الموسيقية بما يتناسب مع طبيعة العرض الحي.
وأسهمت الإيقاعات والآلات المصاحبة في خلق توازن بين الموروث والتجديد، لتتحول الأغنيات إلى جسور تصل الماضي بالحاضر.
ويكتسب هذا الاختيار أهمية خاصة في تونس، باعتبار أن الراي يشكل جزءا من الذاكرة الموسيقية المغاربية المشتركة، التي نشأت في فضاء ثقافي متقارب، قبل أن تتطور تجاربها وتتخذ مسارات متعددة.
وقد ساعد انفتاح الراي على أنماط موسيقية مختلفة على تعزيز انتشاره وتحويله إلى ظاهرة فنية عابرة للحدود.
وكانت الفنانات شريكات في هذه الرحلة، سواء من خلال المحافظة على تقاليد الراي وأشكاله التعبيرية، أو عبر تطوير أساليب الأداء والانفتاح على التوزيعات الموسيقية الجديدة. لذلك جاء ‘سيدات الراي’ ليعيد تسليط الضوء على جانب نسائي من تاريخ هذا الفن، ويمنح تجارب فنية سابقة فرصة للظهور أمام جمهور جديد.
ويأتي إدراج العرض ضمن أيام قرطاج الموسيقية في إطار توجه التظاهرة إلى تقديم مشاريع تستند إلى التراث وتعيد قراءته من زوايا معاصرة، إلى جانب الانفتاح على تجارب موسيقية عربية وإفريقية ودولية مختلفة.
وتحولت سهرة ‘سيدات الراي’ بذلك إلى أكثر من مجرد عرض غنائي، إذ أتاحت استعادة جزء من الذاكرة الفنية النسائية في المغرب العربي، وذكّرت بالدور الذي لعبته الفنانات في تشكيل الذائقة الموسيقية وتوسيع دائرة انتشار الراي.
وبين الحنين إلى أغنيات ارتبطت بذاكرة أجيال والرغبة في تقديمها بلغة موسيقية جديدة، أكد العرض أن التراث لا يفقد قدرته على التواصل مع الجمهور حين يعاد تقديمه برؤية تحافظ على جوهره وتفتح أمامه مساحات جديدة للحضور والتجدد.

التعليقات