ليس “المد الجماهيري” كتابًا يقرأ من غلافه إلى غلافه، بل أثرًا ينبغي أن ينصت إليه كما ينصت إلى جدار قديم يحمل طبقات من الأصوات، فمن يراه مجرد توثيق لمسيرة نقابية وجمعوية طويلة، تضم محاضر وصورًا ومراسلات واتفاقات وأسماء، يكون قد أمسك بالسطح المادي للعمل وترك طاقته الخفية تتبخر! الكتاب، في جوهره، ليس سجلًا لما فعله عبدالخالق الحمدوشي في العرائش فحسب، بل هو سجل لما فعلته العرائش في داخله، وما تركته الجماعة والمؤسسة والخصومة والخذلان في تكوين رجل ظل يشتغل في التاريخ بيد، ويحاول أن ينتزع نفسه من قبضة التاريخ باليد الأخرى.
تقول المواد المنشورة عن الكتاب إنه يوثق أكثر من خمسة وثلاثين عامًا من العمل النضالي، ويستند إلى الوثائق والمحاضر والصور والشهادات، وإنه يجمع بين النقابي والسياسي والجمعوي والحركات الاجتماعية، لكن هذه المعطيات، على أهميتها، لا تشرح لماذا كان لا بد للكاتب أن يكتب! فالإنسان لا يكتب دائمًا لأن لديه مادة، بل لأنه يشعر أن شيئًا حاسمًا مهدد بالاختفاء، قد يكون ذلك الشيء حقًا ضائعًا، أو اسمًا جرى تشويهه، أو جهدًا جماعيًا سينسب إلى غير أصحابه، أو صورة داخلية يخشى صاحبها أن تبتلعها روايات الآخرين، ومن هنا يمكن فهم الكتابة باعتبارها استجابة لاواعية لخطر المحو: الكاتب لم يكن يجمع الماضي فقط، بل كان يضع سدًا في وجه قوة تريد أن تجعل الماضي بلا شهود، فالقراءة السطحية تسأل: ماذا حدث؟ أما القراءة العميقة فتسأل: ما الذي جعل هذا الرجل يشعر بأن ما حدث لا يكفي أن يعاش، بل يجب أن يكتب؟ هذا السؤال ينقلنا من التاريخ الظاهر إلى اقتصاد النفس الباطن، إن الدافع الخفي للكتاب، كما يمكن استنتاجه من بنيته، ليس مجرد الرغبة في تسجيل الإنجازات، ولا البحث عن مديح متأخر، إنه الخوف من أن يعاد اختطاف التجربة بعد انتهائها، وأن يتحول النضال إلى حكاية يرويها من لم يدفع ثمنها، وأن تمحى المسافة بين من كان في الميدان ومن اكتفى لاحقًا بإعادة ترتيب المشهد لمصلحته.
في هذا المعنى، الكتاب فعل استرداد للملكية الرمزية، الكاتب لا يطالب بملكية الأشخاص، ولا يدعي احتكار الحقيقة، بل يستعيد حقه في أن يكون هو وجماعته مصدرًا في وصف ما عاشوه، فالسلطة لا تسيطر فقط حين تمنع الكلام، بل حين تسمح بكلام واحد، وتترك للآخرين مهمة تكراره، وقد يظل الإنسان حرًا في الحركة، لكنه يفقد حريته حين ينتزع منه حق تفسير تجربته، لذلك فإن “عبد الخالق الحمدوشي” لا يواجه في كتابه خصومًا بعينهم فقط! إنه يواجه آلية كاملة لتحويل التجربة الحية إلى رواية جاهزة، ثم تحويل الرواية الجاهزة إلى حكم أخلاقي على أصحابها، هنا تظهر الأداة الأولى في قراءة الكتاب: البحث عن الأنساب الخفية للخطاب، لا يكفي أن نرى الاتهام بوصفه جملة أو مراسلة، ينبغي أن نسأل كيف ولد، وما المصالح التي سمحت له بأن يتحول من كلام إلى إجراء، ومن إجراء إلى ملف، ومن ملف إلى صورة عامة عن الشخص، هذه الطريقة في القراءة تكشف أنّ الاتهام لا يعيش بمفرده، إنه يحتاج إلى مؤسسات، وإلى لغة إدارية، وإلى صمت، وإلى قابلية اجتماعية لتصديق أن المناضل مشاغب، وأن المدافع عن حقوق العمال يهدد النظام، وأن من يطالب بالمحاسبة يتدخل في ما لا يعنيه.
حين يستعيد الكتاب تفاصيل المراسلات والتحقيقات والمحاكمة، فهو لا يروي فقط واقعة دفاع عن النفس، إنه يكشف مختبرًا صغيرًا لكيفية اشتغال السلطة في الحياة اليومية، السلطة هنا ليست شخصًا واحدًا يجلس في مكان مرتفع ويصدر الأوامر، إنها شبكة من التصنيفات والإجراءات والتأويلات، قد تبدأ برسالة مجهولة، ثم تدخل إلى مسار رسمي، ثم تستدعي الشرطة أو الإدارة أو المحكمة، فتغدو الشبهة أكثر واقعية لمجرد أنها انتقلت من فم إلى ورقة، إن الورقة لا تثبت الحقيقة بالضرورة، لكنها تمنح الوهم هيئة الحقيقة، ومن هذه النقطة يفهم المرء لماذا يغدو التوثيق في كتاب “الحمدوشي” ضرورة دفاعية: إنّه يواجه ورقة بورقة، وتأويلًا بسياق، وادعاءً بسلسلة من الوقائع، غير أن الكتاب لا يكتفي بتفكيك خطاب الخصم، إنه يفكك نفسه أيضًا، وإن بصورة غير معلنة، فكل أرشيف يختار ما يحفظه وما يتركه، وكل ذاكرة، مهما كانت صادقة، تعيد بناء الماضي من موقع الحاضر، وهذه ليست تهمة ضد الكاتب، بل هي شرط كل كتابة، قوّة الكتاب تأتي من أنه لا يقدم الماضي ككتلة شفافة، بل يكشف، من حيث لا يقصد أحيانًا، أن الذاكرة نفسها ساحة صراع! إن “عبد الخالق” يكتب كي يثبت ما جرى، لكنه في الوقت ذاته يعيد ترتيب معنى ما جرى، يضع الوقائع في نسق، يمنح بعضها مركزًا وبعضها هامشًا، ويحول سنوات متفرقة إلى قصة لها اتجاه، وهنا لا تعود الكتابة مجرد حفظ للذاكرة، تصبح صناعة لذاكرة قادرة على مقاومة الذاكرة الرسمية!
إن فعل الأرشفة عنده يشبه محاولة إنقاذ الأشخاص من موتين: الموت البيولوجي الذي يصيب الأفراد، والموت الرمزي الذي يصيب أفعالهم، فالعامل الذي شارك في إضراب، والمتقاعد الذي دافع عن حقه، والمرأة التي ساهمت في عمل جمعوي، والرفيق الذي وقع محضرًا، كل هؤلاء يمكن أن يختفوا إذا لم يجدوا مكانًا في سجل عام، لهذا يبدو الكتاب كأنه يكتب ضد النسيان، لكنّه في العمق يكتب ضد التوزيع غير العادل للظهور، هناك من يملك المنابر، وهناك من يملك التجربة، والكتاب يحاول أن يمنح التجربة منبرًا، ومن هنا تتضح دلالة كلمة “المد”، المد ليس عددًا من الأجساد المحتشدة، ولا احتفالًا بانتصار الجماعة على الفرد، المد حركة تتشكل من عودة ما جرى دفعه إلى الخلف، إنه عودة الأصوات التي أُريد لها أن تبقى محلية، هامشية، غير جديرة بالتاريخ، العرائش في الكتاب ليست مجرد فضاء جغرافي، بل جهاز ذاكرة، كل حي، ومقر، وشركة، وشاطئ، ومقهى، وساحة، ومؤسسة… يتحول إلى موضع تتقاطع فيه المصالح والكرامات والخسارات، المدينة لا تظهر كخلفية، بل ككائن يضغط على شخصياته ويستخرج منها مواقفها.
في هذا المشهد، لا يكون الكاتب فردًا معزولًا يراقب الجماهير من برج داخلي، ولا يكون ذرة تذوب في كتلة عامة، إنّه يتحرك بين القطبين، وهذه واحدة من أهم سماته النفسية: القدرة على الانتماء دون الذوبان، هو قريب من الناس إلى الحد الذي يجعله يحمل قلقهم، لكنه بعيد بما يكفي لكي يرى ما لا تراه الجماعة وهي في ذروة الانفعال، يشارك في التعبئة، ثم يعود إلى المحضر، يواجه الخصم، ثم يفكر في أثر المواجهة على التنظيم، يدافع عن موقفه، لكنه يعرف أن الموقف الذي لا يتحول إلى بناء جماعي قد يبقى مجرد بطولة فردية، هذه البنية تفسر كثيرًا من قوة الرجل وقلقه في آن واحد، إنه لا يبحث عن الاعتراف من خلال الانعزال، بل يطلبه من خلال العمل، لكن العمل الجماعي يحمل خطرًا دائمًا: قد تبتلع الجماعة الفرد الذي يخدمها، وقد يتحول الرفيق إلى وظيفة، وقد يصبح صاحب المبدأ مطلوبًا منه أن يصمت حفاظًا على وحدة زائفة، هنا يظهر الدافع اللاواعي الثاني للكتابة: الحاجة إلى استعادة الذات من داخل الجماعة، لا ضدها، الكاتب يقول، في المستوى العميق: كنت واحدًا منكم، لكنني لم أكن عدمًا داخل مجموعكم. حملت صوتكم، دون أن أفقد صوتي، وإذا كانت الجماعة تحتاج إلى تنظيم، فإن التنظيم يحتاج إلى لغة مشتركة، ولذلك تبدو المحاضر والبيانات والمراسلات في الكتاب كأنها أكثر من أدوات إدارية، إنها محاولات لتحويل الألم الخاص إلى قضية يمكن تداولها بين الناس، العامل المتضرر قد يملك غضبًا صادقًا، لكن الغضب لا يصير قوة عامة إلا حين يجد كلمات ومطالب وتوقيعات وموعدًا للتفاوض، هنا تقوم الكتابة بتحويل الانفعال إلى حجة، والحجة إلى مطلب، والمطلب إلى فعل جماعي، إنها لا تلغي العاطفة، بل تمنحها شكلًا يمنعها من التبدد.
وهذا هو الفارق بين الصرخة والقول العمومي، الصرخة تخرج من الجسد، أما القول فيبحث عن جمهور ومؤسسة وإمكان للإقناع، “عبد الخالق” في تجربته، لا يبدو مناضلًا يعتقد أن النية الحسنة تكفي، إنه يعرف أن الحق إذا لم يملك أدوات الظهور قد يبقى ضعيفًا حتى لو كان عادلًا، لذلك تتحول الوثيقة عنده إلى سلاح مدني، والمحضر إلى ذاكرة ملزمة، والتفاوض إلى اختبار للوعود، والمتابعة إلى مقاومة للنسيان، لكن هذا المسار العقلاني لا يلغي البعد الجريح في التجربة، فالرجل الذي يكثر من التوثيق قد يكون رجلًا تعلم، على نحو مؤلم، أن الذاكرة الشفوية لا تحمي أحدًا، ومن تعرض للوشاية أو التشويه لا يعود يتعامل مع الكلمات ببراءة أولى، يصبح حساسًا تجاه الفروق بين ما قيل وما كتب، وبين النية المعلنة والأثر الحقيقي، وبين الحوار الذي يفتح بابًا والحوار الذي يؤجل الانفجار، هذه الحساسية ليست مرضًا بالضرورة، قد تكون شكلًا من أشكال الذكاء الدفاعي الذي يتكون حين يكتشف الإنسان أن الخطر لا يأتي دائمًا من القوة الظاهرة، بل من التفاصيل الصغيرة التي يعاد تركيبها ضده.
في الفصل المتعلق بالمحاكمة، لا نرى فقط رجلًا يواجه تهمة، بل نرى إنسانًا يجبر على الدفاع عن صورته أمام نظام يحب الأسماء المختصرة: متهم، مشاغب، مسؤول، خصم… لكن الإنسان أوسع من الاسم الذي يلصق به، لذلك يأتي الكتاب بوصفه مقاومة للاختزال، إنه يعيد فتح الشخصية على امتداد حياتها: عمل نقابي، نشاط جمعوي، مبادرات إنسانية، قضايا هجرة وسلام وبيئة، علاقات عابرة للمدن والحدود، ومسؤوليات عائلية ومهنية، بهذا المعنى، لا يرد الكاتب على التهمة داخل حدودها، بل يغير السؤال نفسه، لا يقول فقط: لم أفعل! يقول: لا يمكن أن تختزلوا كل ما عشته في واقعة صيغت من خارج سياقها، هنا تقترب الكتابة من آلية التفكيك: لا تهدم المعنى لكي تترك الخراب، بل تكشف التناقضات التي تخفيها اللغة حين تتظاهر بالبراءة، كلمة “الغيورين” مثلًا قد تبدو أخلاقية، لكنها لا تصبح أخلاقية لمجرد أنّها تحمل اسم الغيرة! السؤال هو: من يتكلم باسم الغيرة؟ من يستفيد من مجهولية الاسم؟ كيف يتحول الدفاع عن مؤسسة إلى وسيلة لتصفية خصوم داخلها؟ الكتاب لا يترك الكلمات في مكانها المعلن، يدفعها إلى الاعتراف بما تخفيه من مصالح وقلق ورغبة في العقاب، وهنا أيضًا تظهر قيمة الشك المنهجي، فالكاتب، حتى حين يروي تجربته من موقع المتضرر، يجعل القارئ أمام سلسلة قابلة للفحص: تاريخ، اجتماع، مراسلة، محضر، أسماء، انتقال من خطوة إلى أخرى، هذه الطريقة تمنع النص من أن يتحول إلى أسطورة شخصية مغلقة، إنّها تقول إنّ الحقيقة لا تحتاج إلى صراخ، بل إلى إمكانية المراجعة، ولا تعني المراجعة إسقاط شهادة الكاتب، بل منحها وزنًا لأنها لا تطلب الإيمان الأعمى، بل تعرض مادة يمكن مساءلتها.
لكن وراء هذه الأدوات كلها يوجد سؤال عن السيادة، من يملك القرار داخل المؤسسة؟ من يقرر ما هو شأن إداري، وما هو شأن نقابي؟ من يملك تعريف الفوضى؟ ومن يملك حق تسمية الفعل: هل هو مطالبة، أم تعطيل، أم احتجاج، أم تهديد؟ إن كل صراع اجتماعي يحمل داخله صراعًا على تعريف الواقع، حين ينجح طرف في تسمية حركة العمال بأنها فوضى، يكون قد قطع نصف الطريق نحو نزع الشرعية عنها، وحين تنجح الجماعة في إعادة تسمية الحركة باعتبارها دفاعًا عن الحق، تستعيد جزءًا من قوتها، لذلك فإن معركة الكتاب ليست فقط حول ما حدث، بل حول من يملك قاموس الحدث! والكاتب، في هذه المعركة، لا يظهر كمن يبحث عن مجد شخصي منفصل عن الآخرين، إنه أقرب إلى صانع معنى جماعي، أو إلى شخص يلتقط الخيوط المتناثرة ويمنحها شكلًا يمكن للأجيال اللاحقة أن تتعرف إليه، قوته ليست في أنّه لم يسقط قط، بل في أنه جعل سقوطه إن وقع، غير قابل للاستعمال ضد من آمن بهم، لم يجعل الخذلان ذريعة لاحتقار الناس، ولم يجعل الخصومة فلسفة كراهية، ولم يسمح للاتهام أن يزرع داخله احتقارًا لكل عمل جماعي.
وهنا نصل إلى عبد الخالق الحمدوشي لا بوصفه اسمًا على غلاف، بل بوصفه بنية إنسانية مركبة، إنه رجل يحمل في داخله تناقضًا منتجًا: يريد الجماعة، لكنه لا يريد أن يبتلع فيها، يؤمن بالتنظيم، لكنه يعرف خطر تحوله إلى قفص، يثق بالحوار، لكنه لا يمنح الثقة بلا اختبار، يملك ذاكرة طويلة، لكنه لا يريد أن يصبح سجينًا للماضي، يدافع عن الآخرين، لكنه تعلم أن الدفاع عن الآخرين لا ينبغي أن يعني إلغاء الذات، إنه رجل لا يستمد حضوره من كثرة من حوله، بل من قدرته على الوقوف حين يتغير الذين حوله، لا يحتاج إلى التصفيق كي يصدق أنّه فعل شيئًا، ولا يحتاج إلى القطيعة كي يثبت أنه مستقل، هو حاضر في الجماعة، لكن له مركز داخلي لا تصوّت عليه الجماعة، وحين يتعرض للخذلان، لا ينهار إلى صورة الضحية التي لا ترى إلا جلادها، بل يحاول أن يفهم بنية الخذلان، أدواته، لغته، ومساراته، هذه القدرة على تحويل الألم من مصيبة شخصية إلى معرفة عامة هي ما يجعل تجربته أوسع من سيرة فرد.
ولذلك فإن وصفه كرجل عائد من الجحيم لا ينبغي أن يعني رجلًا أسطوريًا معصومًا من الخوف، الرجل الذي خرج من النار لا يخرج بلا ندوب، بل يخرج وقد تغيرت علاقته بالضوء، يعرف أن بعض الوجوه لا تظهر حقيقتها في أيام الهدوء، وأن بعض التحالفات لا تختبر في المهرجانات بل في لحظة الخطر، وأن الكلام الجميل قد يخفي رغبة في الإخضاع، وأن الصمت قد يكون أحيانًا حكمة، وقد يكون أحيانًا شراكة في الظلم، لقد عاد الكاتب من تلك المنطقة وهو أكثر انتباهًا إلى ما وراء الكلمات، لكنه لم يتحول إلى رجل لا يثق بأحد، وهذه نقطة فارقة! فالغدر إذا انتصر داخل النفس حول ضحيته إلى نسخة أخرى من العالم الذي جرحه، أما “الحمدوشي” كما تظهره بنية كتابه، فقد حاول أن يفعل العكس: أن يعرف الخيانة دون أن يتعلم الخيانة، وأن يواجه القسوة دون أن يتخذ القسوة لغة، وأن يستعيد اسمه دون أن يمحو أسماء الآخرين.
في أعمق طبقات الكتاب، لا يطلب الرجل أن يقال إنه كان دائمًا على حق، إنه يطلب شيئًا أكثر جوهرية: ألا يكون الكذب هو آخر ما يبقى من تجربته، ألا تتحول سنوات العمل إلى هامش، وألّا يصبح الرفاق الذين صنعوا الأحداث مجرد أرقام، وألّا تختزل مدينة كاملة في صورة من يملكون المنبر الأقوى، الكتابة هنا ليست بحثًا عن الخلود الشخصي، بل محاولة لتوزيع الخلود على من لم يحصلوا في حياتهم إلا على الاعتراف المؤقت، وهذا ما يجعل “المد الجماهيري” تجربة لاواعية في التجارب الإنسانية، إنّه يتحدث عن الحاجة إلى أن يرى الإنسان، وعن خوفه من أن يساء فهمه، وعن رغبته في أن يترك أثرًا لا يستطيع الخصوم محوه، وعن التوتر الدائم بين الانتماء والاستقلال، وعن الطريقة التي يتحول بها الجرح إلى ذاكرة، والذاكرة إلى أرشيف، والأرشيف إلى قوة أخلاقية، إنه لا يسأل فقط كيف يصنع الناس حركة جماهيرية، بل كيف تصنع الحركة إنسانًا قادرًا على احتمال الوحدة دون أن يفقد الجماعة، وقادرًا على حمل الجماعة دون أن يفقد نفسه.
في خاتمة القراءة، يقف “عبد الخالق الحمدوشي” بعيدًا عن صورة القائد الذي يطلب تمثالًا لنفسه، إنّه أقرب إلى الرجل الذي يعرف أن التمثال موت آخر، وأن الحياة الحقيقية تظل في الحركة، وفي الشهادة، وفي قدرة الذاكرة على التناسل، هو رجل مستقل، لا لأنه منفصل عن الناس، بل لأنه لم يسمح لأحد أن يستولي على مركزه الداخلي، رجل خرج من الخذلان ولم يجعل الخذلان دينه، رجل عرف أن العالم قد يعاقب من يرفع صوته، لكنه عرف أيضًا أن الصمت الطويل يعاقب الروح، كتب لأنه لم يقبل أن تسرق تجربته مرتين: مرة حين عاش الصراع، ومرة حين يروي الصراع من لم يعشه، كتب كي يستعيد اسمه، فاكتشف أن الاسم لا يستعاد وحده، وراء اسمه أسماء كثيرة، ووراء ذاكرته ذاكرة مدينة، ووراء جرحه جراح أناس لم يجدوا لغة يحمون بها أنفسهم من الاختفاء، لذلك أصبح الكتاب أوسع من مؤلفه، وأصبح المؤلف أعمق من صورة المناضل التي قدمها عنه المديح.
إنّه رجل لا يخرج من التاريخ كما دخل إليه، دخل وهو يعتقد أنّ النضال فعل في الشارع والمؤسسة والاحتجاج، وخرج وهو يعرف أن النضال أيضًا فعل في الذاكرة واللغة والتأويل، دخل وهو يواجه خصومًا من الخارج، وخرج وهو يواجه خطرًا أشد أن يتسرب الخصم إلى داخله ويجعله يرى نفسه بعينيه، لكنه لم يسمح بذلك! ظل واقفًا، لا بصفته منتصرًا على الجميع، بل بصفته ناجيًا من التحول إلى ما قاومه، وهنا تكمن عظمة كتاب “المد الجماهيري”: إنه لا يقول إن الإنسان يستطيع أن يخرج من النار بلا احتراق، بل يقول إنه يستطيع، رغم الاحتراق، أن يحافظ على شكل قلبه، وهذه ليست بطولة صاخبة، إنها بطولة رجل يمشي بين الناس، يحمل وثائقه، يتذكر من خانه ومن سانده، يعرف هشاشته ولا يعرضها للبيع، ويواصل السير لأنه أدرك أن بعض المعارك لا تنتهي بانتصار طرف، بل تبدأ حين يرفض أحدهم أن يترك الحقيقة وحيدة.

التعليقات