الألف متر التي تراهن عليها الصين
في الأول من مايو، استيقظت بكين على سماءٍ لم تعرفها من قبل، لا أزيزَ محركات، ولا أضواءَ صغيرة تتحرك بين المباني، ولا كاميرات معلّقة في الهواء، وأصبحت العاصمة التي خرجت من مصانع بلادها واحدة من أكبر صناعات الطائرات المسيّرة في العالم، فجأة مدينةً لا يستطيع أحد فيها شراء طائرة مسيّرة أو استئجارها أو تشغيلها من دون تصريح.
ومع دخول القيود الجديدة حيز التنفيذ، بدأ بعض مالكي الطائرات المسيرة يتخلون عنها، وظهرت الطائرات المستعملة بكثرة على منصات البيع، وتراجعت أسعارها بنحو 30%، فيما وجد المصنعون أنفسهم أمام سوقٍ لم تعد فيه الدرون التي كانت تُباع بسهولة قبل أشهر تحظى بالطلب نفسه.
كان الأمر يبدو للوهلة الأولى كأن الصين تضيق الخناق على صناعة صنعت نجاحها بنفسها، لكنها ربما كانت تخطط لأمر أوسع نطاقًا، فهي لا تريد سماءً تعج بآلاف الطائرات المسيرة بلا قواعد، وإنما تسعى إلى إعادة رسم المجال الجوي القريب من الأرض وتحويله إلى مسار جديد للنقل والإنتاج والتجارة، ضمن ما تسميه “اقتصاد الارتفاعات المنخفضة”.

محرك جديد للاقتصاد
لا يتعلق المفهوم بالطائرات المسيرة وحدها، بل بكل الأنشطة التجارية التي تتم عمومًا على ارتفاع 1000 متر فوق سطح الأرض، مع إمكانية امتداده إلى 3000 متر.
وتريد الصين أن تجعل هذا الحيز الجوي جزءًا من الحياة الاقتصادية اليومية؛ من توصيل الطعام والبضائع ورش المحاصيل، إلى السياحة، وفحص البنية التحتية، والإغاثة ومكافحة الحرائق، وصولًا إلى سيارات الأجرة الجوية والطائرات الكهربائية ذات الإقلاع والهبوط العمودي.
وتراهن بكين على أن فتح هذا المجال الجديد يمكن أن يخفف ازدحام المدن ويختصر المسافات ويربط المناطق النائية، وفي بعض التطبيقات، يمكن الوصول من شنتشن إلى تشوهاي في أقل من 20 دقيقة، بينما تستطيع الطائرات المسيرة الوصول إلى أماكن يصعب على وسائل النقل التقليدية بلوغها.
لكن الطموح الصيني لا يقوم على الخيال وحده، ففي مارس 2024، أدرجت الحكومة “اقتصاد الارتفاعات المنخفضة” للمرة الأولى في تقرير عملها، باعتباره أحد “محركات النمو الجديدة”.
وبحلول عام 2025، بلغ حجم القطاع في الصين نحو 1.5 تريليون يوان، وتستهدف بكين رفعه إلى أكثر من 3.5 تريليون يوان بحلول 2035.

ليس مجرد حلم
بدأت ملامح الاقتصاد الجديد تظهر بالفعل بعيدًا عن المدن الكبرى، على سبيل المثال، في شاندونغ وخنان وسيتشوان، تعمل الطائرات المسيرة في حماية المحاصيل ومكافحة الآفات، وفي يوننان والتبت، أصبحت أداة أساسية لفحص خطوط الكهرباء في المناطق المرتفعة والوعرة.
وفي خليج بيبو، أطلقت الصين أول عملية واسعة النطاق لاستخدام الطائرات المسيرة في حقول النفط البحرية، لتغطي 41 منصة بحرية، ومحطتين بريتين.
وامتدت التطبيقات حتى مجال الترفيه، ففي عطلة عيد الربيع هذا العام، أقامت تشونغتشينغ سبعة عروض ضوئية بالطائرات المسيرة، لتتحول التكنولوجيا التي بدأت كأداة صناعية إلى وسيلة جديدة لجذب الإنفاق الاستهلاكي.
وتتسع التجارب أكثر؛ فبعض الشركات تطور طائرات لمكافحة الحرائق في المباني الشاهقة، فيما تستطيع أنظمة العروض الجوية إطلاق أكثر من 500 طائرة مسيرة في أقل من دقيقة.
ونتيجة لذلك، ارتفعت ساعات الطيران التجاري للطائرات المسيرة المدنية وطائرات الإقلاع والهبوط العمودي الكهربائية إلى 45.3 مليون ساعة في 2025، بزيادة 69.9% عن العام السابق.

نقطة نظام
لكن كلما اقترب الحلم من الواقع، ظهرت المشكلات التي ربما دفعت بكين إلى تشديد قبضتها، فبحلول نهاية 2025، تجاوز عدد الطائرات المسيرة المسجلة في الصين 3 ملايين درون، بزيادة 50% خلال عام واحد.
ومع هذا الانتشار، أصبح من الصعب إدارة ملايين الرحلات في مجال جوي واحد، خصوصًا مع المخاوف المتعلقة بسلامة الطيران والأمن وإمكانية استخدام الطائرات لأغراض غير مشروعة.
وبالتالي شددت الصين قواعدها، وأصبح يتعين تسجيل الطائرات والمشغلين بأسمائهم الحقيقية، مع ضرورة تحديد مناطق التحليق، وفرض تصاريح مسبقة في المناطق المقيدة، وتشديد العقوبات على الرحلات غير المصرح بها، مع اتجاه إلى إلزام القطاع بالحصول على تراخيص.
وأوضحت السلطات إن هذه القيود ضرورية لبناء سوق تجارية منظمة، لكن آثارها ظهرت سريعًا؛ إذ تراجع الطلب على بعض الطائرات، وبدأت الأسعار تهبط، وازداد عرض الطائرات المستعملة.
ويفسر “لي مو”، مدير مركز أبحاث اقتصاد الارتفاعات المنخفضة في جامعة هونغ كونغ للعلوم والتكنولوجيا، المفارقة هكذا: “كما نرتب غرفة المعيشة قبل استقبال الضيوف، ننظّم المجال الجوي قبل تبنّي أنشطة واسعة”.

التوازن المطلوب
تشير آراء الخبراء إلى أن الصين لا تحاول إيقاف صناعة الطائرات المسيرة، بل تريد إعادة تنظيمها، فالبلاد تمتلك بالفعل صناعة ضخمة، وسلسلة توريد قوية للبطاريات والمحركات والإلكترونيات، وبنية اتصالات متقدمة.
كما تهيمن الشركة الصينية “دي جيه آي” على ما يتراوح بين 70 و80 في المائة من السوق العالمية المخصصة للاستخدامات غير العسكرية وغير الحكومية، وذلك وفقاً لبيانات مؤسسة “درون إندستري إنسايتس”.
لكن تحويل هذه القوة الصناعية إلى اقتصاد جوي متكامل يحتاج إلى شيء آخر يشمل قواعد واضحة، وبنية تحتية، وأنظمة لمراقبة الرحلات وإدارة المسارات.
وربما تدرس الصين أيضاً المخاطر المحتملة على الأمن القومي؛ لا سيما بعدما كشفت الحرب في أوكرانيا والصراع في الشرق الأوسط بوضوح عن حجم الأضرار التي يمكن أن تلحقها حتى الطائرات المسيرة منخفضة التكلفة.
ولهذا ربما تعمل الصين في اتجاهين متوازيين؛ الحكومة تضع القواعد والبنية التحتية، بينما تطور الشركات التطبيقات من أسفل، من الزراعة والتوصيل إلى الطيران الشخصي، ومن أجل التفوق في اقتصاد المجال الجوي منخفض الارتفاع الذي يتوقع بنك “مورجان ستانلي” أن تصل قيمته عالميًا إلى 9 تريليونات دولار بحلول عام 2050.
وبالتالي، ربما لم تكن السماء الخالية من الطائرات المسيرة في بكين علامةً على نهاية عصر الدرونز، بقدر ما كانت محاولة لإعادة ترتيب مجالها الجوي قبل ازدحامه من جديد.
المصادر: “تقرير “فورتشن بيزنس إنسايتس” – صحيفة “فاينانشال تايمز” – بيان رابطة النقل الجوي الصينية – نيويورك تايمز – إدارة الطيران المدني الصينية – تشانل نيوز آسيا – صحيفة الشعب اليومية – جلوبال تايمز
للمزيد من المقالات
اضغط هنا

التعليقات